يُقدّم نقولا زيادة في كتابه "المسيحيّة والعرب"، عرضاً لأحوال المسيحيّة وتطوراتها في البلاد العربية، منذ ظهورها حتى العصر الحديث. وكان للعرب في القرن الأول الميلادي وجود بارز في بلاد الرافدين وأنطاكية والرها (أورفا) وتدمر، كما كان للأنباط والأدوميين دولة في جنوب سورية.
جاءت المسيحية ثورة روحية، واعتبرت الناس جميعاً سواء. وبمجيء العام 100 ميلادي، كانت المسيحية قد انتشرت وثبتت أقدامها في جميع أنحاء بلاد الشام ومصر وجزر البحر الأبيض المتوسط. وقد كانت أسرع انتشاراً في المدن السورية خارج فلسطين، بسبب العداء اليهودي، وكان انتشارها في المدن أكثر من الريف. ويردّ بعض الباحثين انتشار المسيحية إلى حالة الضياع الروحي التي سادت، وفقدان الثقة بالأديان القديمة، وما أصاب الإمبراطورية الرومانية من أزمة اقتصادية اجتماعية. وفي ظلّ ذلك، جاءت المسيحية برأي جديد رفيع، وإيمان عميق سماوي، وأمل ورجاء في الحياة حاضرها وقادمها.
وظهرت حركة الرهبنة في القرن الرابع الميلادي على هيئة حركة تنسّك وعزلة، وربما كانت احتجاجاً على الدمج بين الكنيسة والدولة. وقد انتشرت بين المسيحيين الآراميين/ السريان قبل الرومان، فظهرت بينهم حركة مستقلّة للتنسك. ويبدو أنّ التنسّك كان معروفاً قبل المسيحية. ومن مفكّري المسيحية السريانية، بارديصان، الملقّب بالفيلسوف الآرامي. ومن علماء السريانية أفرام الأول، عالم اللغة. ومن النسّاك، سمعان العمودي ومار مارون.
وانتشرت المسيحية بين العرب بدءاً بالبترا وآدوم/ الآدوميين. وانتشرت أيضاً بين القبائل العربية في الصحراء وأطرافها. ونشأت ممالك عربية مسيحية منذ عصور مبكرة في تدمر وأمّ الجمال والحيرة (المناذرة)، ودمشق وبصرى (الغساسنة). وكانوا يتّبعون المذهب النسطوري، ويسمون نساطرة ويعاقبة، نسبة إلى يعقوب البرادعي؛ ومونوفستية، وآريوسية، نسبة إلى أسماء الأساقفة والعلماء المسحيين.
وتوسّط ملك الغساسنة الحارث بن جبلة، لدى الإمبراطورة ثيودورا، لإنشاء أسقفية عربية مستقلّة. وفي العام 542م، أصبح يعقوب البرادعي أسقفاً لبلاد الرافدين (الرها)، وثيودور أسقفاً لبصرى. وقد بذل يعقوب البرادعي جهوداً خارقة لإعادة تنظيم المسيحيين في الرافدين، وصاروا يسمّون بفضل جهوده وأعماله "يعاقبة". ثم انتشرت المسيحية في اليمن والحبشة (إثيوبيا). وانتشرت المسيحية في ظلّ الغساسنة، وأقيمت كنائس عدّة، مثل كنيسة الرسل في مأدبا (578م)؛ وكنيسة متربوليت في بصرى (512م)، وكانت كاتدرائية جميلة.
وانتشرت المسيحية أيضاً في سيناء ومدين (جنوب الأردن). وكان في مكة والمدينة مسيحيون من أهلها، أو من التجار الوافدين إليها. واعتنقت قبائل عربية المسيحية، منها كندة وبنو أيوب. وأنشأ النساطرة أسقفيات في قطر والإحساء والبحرين.
كان أول ملك مسيحي في إثيوبيا هو عيزانا (320-342م)، وكانت مرتبطة بكنيسة الإسكندرية المونوفيسية. ثم غزا ملك الحبشة أكسوم اليمن، واحتلها ردّاً على تعذيب المسيحيين وقتلهم على يد "ذو نواس"؛ ملك حمير اليهودي. ولم تؤلف كتب مسيحية بالعربية. وإن كانت المواعظ تتمّ بالعربية، إلا أن لغة اللاهوت والعلم والمدارس كانت السريانية أو اليونانية.
وفي المرحلة العربية، أطلق المسلمون الحريات الدينية، وأعيد البطاركة المتخفون إلى مواقعهم ومسؤولياتهم. ولكن الحروب الصليبية بدلت في قيادة الدولة الإسلامية؛ فقد انتقلت إلى جماعات غير عربية حديثة عهد بالإسلام، ولم يكونوا قادرين على فهم النسيج الاجتماعي العربي، ولا التمييز بين المسيحيين العرب والمسيحيين الفرنجة، فحدث شرخ بين المسلمين والمسيحيين في البلاد العربية. وبدأ النساطرة بالانحسار مع أفول الدولة العباسية نفسها التي كانوا جزءاً تاريخياً من بلاطها وقيادتها السياسية والدبلوماسية والعلمية.
وفي أيام الدولة العثمانية، جعل السلطان سليم كنائس الأقباط واليعاقبة والسريان والنساطرة والغريغوريين تابعين للبطريركية الأرمنية، وتبعت بطريركيات أنطاكية وأورشليم للقسطنطينية. واستغلّ اليونان هذا التفويض ليستولوا على الكنائس والأوقاف، واقتصرت المناصب العليا في الكنيسة الأرثوذكسية منذ العام 1534 على اليونان حتى يومنا هذا.
وبدأت الكاثوليكية بالانتشار بين المسيحيين منذ القرن السادس عشر. ثم بدأت البروتستانتية بالانتشار في القرن التاسع عشر.
المسيحية الشرقية، كما يقول زيادة، هي جزء من الحضارة التي قامت في المنطقة، وكان المسلمون والمسيحيون والصابئة وغيرهم لبناتها. ومن ثمّ، فإنّ كلّ مسيحي هو جزء من هذا المجتمع، له ما له، وعليه ما عليه.
المراجع
maqar.com
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد العلوم الاجتماعية