محمد علي بن سالم
 
لايخفى على ذي حصافة أن من أهم المسائل التي تعترض حامل الدعوة هي الثبات على الحق في زمن التحولات وفي خضم هذه الثورة المباركة والتي أثبتت بجلاء ووضوح توق الأمة العودة لدينها عودا عزيزا- وفي زمن تحكم فيه الإرادة العالمية سياسة المصالح ويراد لهذه الأمة أن تنخلع عن ذاتها وهويتها وقناعاتها، يراد لنا أن نلبس ثوبا وما هو لنا بثوب وثقافة وما هي لنا بثقافة، يراد منا باختصار أن نخرج عن عقيدتنا وديننا، وهذا الذي دفعني للتحدث عن الثبات على الحق، وهو المقام الذي عرفه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه حين جاء برسالته يبشر بها ويدعو إلى الله فعرضت عليه الدنيا بزخارفها وعرضت عليه السياط بلهيبه، فما أغراه نعيم عن رسالته وما صده جحيم عن صدعه بكلمة الحق، وظل يقول الحق في السراء والضراء، ويخلص لله في السر والعلانية حتى كتب له المجد والنصرة، هكذا كان الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام برقت له بوارق الرخاء فما شده ذلك عن رسالته، ولمعت له السيوف الغاضبة التي تهدده فما صده عن غايته "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه" . 
إن من أخلاق المؤمن قوة في دين، وحزم في لين، وإيمان في يقين، وحلم في علم، وقصد في غنى، وكسبا في حلال.
 
هكذا علمتنا مدرسة النبوة، واليوم تعرض الفتن على المؤمن كما يعرض الحصير عودا عودا، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، إنهم يراودوننا اليوم عن ديننا، يراودوننا عن أخلاقنا، يراودوننا عن التخلي عن العمل من أجل إستئناف الحياة الإسلامية وإعادة تاج الفروض وسلطان الإسلام إلى واقع الحياة.
 
إن علينا أن نتذكر أن الثبات على الحق كلف سلفنا الصالح كثيرا، كلف نبينا الأعظم كثيرا، وقد رأيناه يوم بدر وأحد والخندق، ويوم حوصر في داره، ويوم حوصر في شعاب مكة، لقد كان يملك الخلاص من ذلك كله لو أنه أطاعهم لبعض مادعوه بقوله وهو أصدق القائلين "وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَن الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا" و
 
قال له في مقام آخر" وَلَوْ تَقَوّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ * لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُمْ مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ".
 
إننا نمر بهذه الآيات الكريمة، وعلينا أن نعيش في روح تمثلها، يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم يفاوض قريش، وكانت قريش هي القطب الأوحد في بلاد العرب، كقبيلة تملك مفاتيح الكعبة وسدانتها وسقايتها ورفادتها ومآثرها وكانت تفاوض رسول الله عليه الصلاة والسلام، أرادوه أن يعبد ربهم ويعبدوا ربه عاما، أرادوه أن يستجيب لهم ولأوثانهم لقد حذره القرآن بذلك، وهو ما يجيب أن يستحضره حامل الدعوة إن ما تنزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواجهة مكة هو عينه ما نحتاجه اليوم في مواجهة قوى الكفر، إن ما نزل على رسول الله في مواجهة خيول قريش هو ما نحتاجه اليوم
 
  في مواجهة هذه العولمة الطاغية التي تأكل الأخضر واليابس حينما أرادوه أن يسجد لإلاههم ويسجدوا لإلاهه ، حينما أرادوه أن يذكر أصنامهم بخير وأنهم سيذكرون ربه بخير، كان القرآن سيفا يدفع عنه ويذب عنه ويلهمه دربه، لقد كانوا يبحثون عن نبي مهزوم، كانوا يريدون أن يحصلوا على نبي مداهن، عن نبي منافق ولكن هيهات، إن الرجل الذي باع حياته لرسالته يدرك تماما أين يقع مجد الله.
 
نسأل الله أن يثبتنا في هذه الأيام العصيبة على كلمة الحق.
 
وثبت المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، على الرغم مما كان يعصف من حوله من عواصف تريد أن تزحزحه عن خياره الرسالة، وأصحابه من بعده ثبتوا كما ثبت، وواجهوا كما واجه وحينما جاؤوا يشكون إليه ما يلقون وجاء خباب بن الأرت وكانت سيدته أم أنمار قد أطفأت بظهره شحما -جمر الغضا- يأتي إلى رسول الله، فيقول له غاضبا "وماذا لقيتم في سبيل الله يا خباب؟".
 
إنه عذاب أقل من عذاب حملة الدعوة -أبو غريب وسوريا وبنغلاديش
 
إنها الرسالة التي ينبغي أن يسمعها كل أحد، إن العودة إلى القرآن وقراة القرآن تماما في هذا العصر كما لو أنه يتنزل ليثبتنا في هذه الأيام، كما لو أنه يتنزل ليميز لنا بين ما يمكن المداراة فيه وبين ما لا يجوز المداهنة فيه. إنها الأيام اتي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم "فطوبى للغرباء" الذين يصلحون إذا فسد الناس ويثبتون إذا فر الناس ويتطلعون إلى مجد الآخرة إذا نظر الناس إلى حطام الدنيا.
 
اللهم ثبتنا على الحق واهدنا صراطك المستقيم واجمعنا على ما تحبه وترضاه.
 
محمد علي بن سالم
 
عضو المكتب الإعلامي حزب التحرير تونس
 
مجلة الزيتونة 29-10-2012م
 
 

المراجع

شبكة الناقد الإعلامي

التصانيف

مقالات فكرية