اغتيال البندورة!

صورة أولى:
كنت أعجب من أمي وهي تضيف "حز" بندورة إلى طبخة الملوخية، وأتساءل عن سر هذه الإضافة غير المبررة لطبخة لا تقبل القسمة على نكهتين.
وظلت أمي تزاول هذه العادة، حتى تجرأت وسألتها، يوما، عن الدافع، فأجابتني باقتضاب أن البندورة تزيل "ميوعة" الملوخية، وتجعلها قابلة للتغميس، من دون منغصات السوائل اللزجة، التي "تنمط" مع اللقمة، وتفقد الشهية.
كانت أمي مدركة، تماما، لأهمية البندورة، من هذه الناحية، وتحرص على ضرورة توفر البندورة في البيت، عند الطلب.
صورة ثانية:
بقي تفسير أمي حاضرا، على الدوام، في ذهني، حتى بعد أن كبرت، إلى درجة أنني كنت أحتفظ، دوما، بـ"زر" بندورة، في جيبي، بعد أن صار يساورني اعتقاد، أن البندورة كفيلة بالتخلص من سائر ضروب "الميوعات" التي يمكن أن يصادفها الإنسان في حياته، فكنت، مثلا، إذا صادفت شخصا "مائعا"، سرعان ما أقذفه بزر البندورة كي يعتدل، بحديثه، وقامته، فقد كانت "الميوعة" من أكثر المسلكيات التي تثير سخطي وحنقي.
وقد علمت أصدقائي وزملاء العمل أهمية البندورة في "معاملاتهم"، وكنا إذا ما صادفنا موقفا "مائعا"، سرعان ما نستل البندورة من "أغمادها".
صورة ثالثة:
وحين كبرنا، أكثر، وصرنا نتقن أبجديات السياسة، تطور استخدامنا للبندورة، خصوصا مع سيل الطوفان المائج من "الميوعة" السياسية التي باتت تغمرنا بلزوجتها وتفسد علينا شهية أحلامنا بالحرية والانعتاق من لزوجة "نصف الموقف"، و"القناعة بالمقسوم"، وغير ذلك من المصطلحات التي تسعى إلى حشرنا في ميوعة "اللاموقف"، فصرنا أشد تمسكا بالبندورة من أي وقت مضى، لمواجهة تلك المناطق الرمادية في أفقنا السياسي الآخذ بالاضمحلال.
صورة رابعة:
أيضا، فقد تفاقم استخدامنا، كمواطنين، للبندورة، منذ بدأت تنهال علينا لزوجة "الطبخات" الحكومية والرسمية المائعة، فمثلا لزمنا حقل كامل من البندورة كي نتخلص من "ميوعة" طبخة "الخصخصة"، ولزمنا حقلان للتخلص من "ميوعة" طبخة قانون الضمان الاجتماعي الجديد، ولزمتنا ثلاثة حقول للتخلص من "ميوعة" طبخة قوانين التضييق على الاجتماعات العامة وكبت حرية التعبير، أما "طبخة" السلام مع الكيان الصهيوني فاحتاجت إلى أكثر من 1967 حقل بندورة للتخلص من "دبقها" الذي يتجاوز حدود الميوعة واللزوجة، كما احتجنا إلى زهاء 1948 حقلا لنقنع حكوماتنا أننا غير قابلين لـ"ميوعة" التطبيع مع هذا الكيان.
كما احتجنا، كذلك، إلى بضعة حقول من البندورة لنعبر عن غضبنا على ميوعة "طبخة" قانون الانتخاب الجديد، الذي جاء أشبه ما يكون بـ"الملوخية الناشفة"، بدل "الملوخية الخضراء" للقانون الذي سبقه.
صورة خامسة:
وفي المقابل، وهذا ما كان يثير عجبنا وتقديرنا، في الوقت نفسه، أننا لم نشعر، يوما، بنقص في محصول البندورة، على الرغم من سائر حقول "المقذوفات" التي نطلقها من تلك المادة الثمينة في مواجهة طوافانات اللزوجة التي كانت تحاصرنا من كل الجهات، فقد كنا نشعر أن أرضنا المعطاء تتضامن معنا، وتوفر لنا حقول "الذخيرة" مجانا، وكأنها تحارب معنا على جبهة صد جحافل "الميوعة".
صورة سادسة:
وعلى جانب آخر، كانت الجهات الخاسرة من امتصاص "ميوعتها" وكشفها على الملأ، تسعى هي الأخرى لدراسة أسلحتنا وسبل تجريدنا منها، أملا بأن تخلو لها الساحة، تماما، فتطبخ ما شاءت لها قريحتها من "طبخات" كاملة "الميوعة".. وللأسف فقد اكتشفت تلك الجهات سر "أسلحة الدمار الشامل" التي احتفظنا، بها، منذ عهد أمي!
صورة سابعة:
والآن، هل ظل بوسع أحد أن يسأل لماذا اختفت البندورة من أسواقنا؟

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  باسل طلوزي   جريدة الغد   العلوم الاجتماعية