مراثي "الفقاعات"! 

الطبيعة تمقت الفراغ: كنت أطارد الفقاعة الملساء لأفقأها، ثم أعود، ثانية فأنفخ في الحلقة البلاستيكية، بعد أن أغمسها بالوعاء المفعم بمزيج الماء والصابون، فتنعتق فقاعات جديدة أشد لمعانا، ولا ينتهي شغبي إلا حين ينال الإعياء من رئتيّ.
لم أكن أكترث آنذاك بحجم الفراغ الناجم عن تفجر الفقاعة، ما دمت قادرا على إنتاج عشرات الفقاعات البديلة بنفخة واحدة من صدري المتوهج!
العرب يحبون الفراغ: وأجدني اليوم هاجعا، على مصطبة البيت، أتصفح جرائدنا، وأستعرض بكسل مفرط، المرثيات، والمناحات المدبجة حول شخصية، مرموقة، رحلت منذ عقود.
أحدهم يؤكد: "لن يملأ أحد الفراغ الذي خلّفه".
آخر يجزم: "من المستحيل تعويض ما أحدثه من فراغ".
ثم تزحف الذكريات بطيئة إلى دماغي، فتخطر في ذهني نتفٌ من عبارات سادت مؤخرا، على ألسنة الشعوب العربية، كلها تُجْمِع على أهمية حياة ساستها، في هذه المرحلة.
يتفاقم اتساع الذاكرة، فأرى فقاعات العالم المتحضر، كيف تنتفخ ثم تنفقئ في ومضة عين، من دون أن ينبس أحد بمرثية، من نمط مرثياتنا الفجائعية، إذ سرعان ما يمتلئ الفراغ الناشئ عن رحيله، وسيكون محظوظا، إذا خلدوا له مجسماً في "متحف الشمع" في لندن، لا أكثر، وهو "شمع" قابل للذوبان والنقد من دون "تأليه"، ولسان حالهم يقول: "اللي خلّفه بخلّف غيره"، ذلك أن هناك أمما، لم تتعود الوقوف على الأطلال، وهدر الوقت بالنواح على من رحل، أو من سيجيء.
والنماذج عديدة، لا يمكن إحصاؤها، فرئيس الوزراء البريطاني "تشرتشل"، الذي كان له الفضل الأكبر في انتصار الحلفاء على ألمانيا، كان أول المهزومين، في انتخابات رئاسة الوزراء البريطانية، التي أعقبت الانتصار، لأن الشعب البريطاني، كان يدرك، أن زمن "تشرتشل" كمحارب انتهى، وأنه آن الأوان لـ"نفخ" شخصية جديدة، تقود المجتمع إلى لملمة الجراح، والنهوض الاقتصادي والعمراني، وهذا ما لا تتقنه شخصية أدمنت الحروب ودويّ المدافع.
وعلى غرار "تشرتشل"، بوسعكم أن تحصوا آلاف الشخصيات السياسية، التي لا يسمح لها بالمكوث في مواقعها، أكثر من سنوات، معدودة، مهما بذلت وقدمت وأعطت من لحمها وجهدها في خدمة شعوبها.
أما نحن فلدينا من فراغات الفقاعات ما لا يمكن للقاموس السياسي والاجتماعي والعسكري العربي إحصاؤه، ليس بدءا بفقاعة صلاح الدين، ولا انتهاء بفقاعة جمال عبد الناصر.
والأنكى أن الفراغ امتد ليطال حتى أراضينا المحتلة، فما زلنا واقفين عند حدود فلسطين التي "فقأها" الاحتلال الصهيوني منذ قرن، من دون أن نحاول ملء فراغ التحدي الذي أوجده هذا الاحتلال، والأمر ذاته ينطبق على الفراغ الذي أحدثه احتلال العراق.
ترى ما الذي حدث بالضبط؟ ولماذا أصبحت حياتنا كلها رهنا بحياة ساستنا العظام، ولماذا أصبحت رقاع الوطن العربي أشبه بـ"رقعة الشطرنج"، التي يستحيل فيها تعويض أي فراغ ناشئ عن رحيل "بيدق أسطوري"، من تلك الشخصيات.
أيكمن الخلل يا ترى في انهيار قوانا على "نفخ" الفقاعات؟ ثم يزداد امتعاضي أكثر حين أنظر إلى "العالم الآخر"، فأنبهر بشعوبه، التي لم تزل قادرة، على نفخ الفقاعات وفقئها متى شاءت، من دون أن يخطر ببالها أن تتساءل عن حجم الفراغ الناشئ، أو مبلغ الانهيارات التي سيخلّفها غياب تلك "الفقاعات".
لا أدري، غير أني واثق أنه ولا حتى فقاعة الكرة الأرضية، برمتها، إذا انفقأت كفيلة بإقناعنا أن الطبيعة تكره الفراغ!

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  باسل طلوزي   جريدة الغد   العلوم الاجتماعية