أينما حل تنظيم القاعدة، بفكره الانغلاقي المتطرف وفرضه القهري لنمط حياة قمعي والعنف الشديد الذي يمارسه على مخالفيه، لا يترك وراءه إلا الخراب والدمار. أمثلة عديدة من أفغانستان إلى الباكستان إلى الصومال إلى الشيشان إلى اليمن إلى العراق والآن في بعض المناطق في سوريا أكدت بأن هذا التنظيم لا يستطيع ألا أن يسجن الناس في عقولهم وملابسهم ويدمر كل معالم الثقافة والحضارة الإنسانية والعلاقات الاجتماعية الطبيعية.
مالي هي الدولة التي نكبت مؤخرا بانتشار منهج تنظيم القاعدة السياسي والاجتماعي والثقافي. واحدة من أكثر دول أفريقيا فقرا وجهلا لم تكفها مصائبها ليأتيها تنظيم القاعدة معيدا إياها سنوات طويلة إلى الوراء. انتشار تنظيم القاعدة في مالي اثار قلق كل دول أفريقيا المجاورة لها وخاصة الجزائر. ولكن الدولة التي قادت عملية الهجوم على القاعدة كانت فرنسا والتي تريد حماية مساحة نفوذها الاستراتيجي في أفريقيا.
الهجوم المشترك للقوات الفرنسية والمالية على مواقع تواجد القاعدة في مالي أطاح بتواجد تنظيم القاعدة في عدة مواقع ومنها مدينة تمبكتو التاريخية والتي سيطرت عليها عناصر القاعدة لعدة اشهر. ولكن المشكلة هي أن التنظيم المعادي لكافة أشكال الحضارة والثقافة قام أثناء هروبه بحرق مركز حماية الوثائق التاريخية في تمكبتو والذي يضم حوالي 20 ألف وثيقة في العلوم المختلفة تعود إلى عصور ما قبل الحضارة الأوروبية. هذه الوثائق يعتبرها العرب والمسلمين والأفارقة وحتى الغرب دليلا واضحا على تفوق حضارة وثقافة أفريقية مهمة كانت بمثابة حلقة وصل في نقل المعرفة من الشرق الأوسط وأفريقيا إلى أوروبا. الوثائق التي تعتبر من كنوز الحضارة الإنسانية ومصدرا لفخر العرب والمسلمين والأفارقة اضرم فيها تنظيم القاعدة النار وأتلف الآلاف منها في خسارة هائلة للثقافة الإنسانية.
بعد خروج مقاتلي القاعدة من تمبكتو بدأت عملية الثأر التي قام بها وبشكل بدائي الكثير من الأفارقة في المدينة ضد التجار والسكان العرب الذين تم اتهامهم بمساعدة مقاتلي القاعدة. مئات المحال التجارية والمساكن تعرضت للحرق وتمت مطاردة السكان العرب وتهجيرهم خارج تمبكتو وفقدان كافة اصولهم وممتلكاتهم التي عملوا جاهدين من أجلها عشرات السنين في ظروف صعبة. الجميع دفع الثمن: السكان العرب والأفارقة وكنوز الحضارات التاريخية وغيرهم، والسبب كان أن تنظيم القاعدة مر من هنا.
هنالك الآن عملية شرسة لإبعاد كافة السكان العرب والطوارق من مدن مالي وللأسف قد يصبحون لاجئين جدد في موريتانيا والجزائر في هذا العالم المأساوي الذي يدفع فيه الأشخاص العاديون ثمن الصراعات الدينية والسياسية والعرقية بينما لم يشاركوا في اي منها. في محصلة الأمر لا يجلب تنظيم القاعدة معه إلا الخراب، وهذا درس على الجميع معرفته قبل أن يسمحوا لهم بالحصول على مساحات من الأرض ضمن سياق صراعات سياسية وطائفية يتم فيها استخدام هذا التنظيم وشراسته القتالية سلاحا في معارك وحروب داخلية. لن يكسب أحد من وجود القاعدة في اي مكان، والشواهد موجودة في كل العالم.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باتر محمد علي وردم جريدة الدستور