كان يوما مهيبا في مجلس الأمة، حيث استمع النواب لخطاب العرش السامي وتبادلوا التهاني والمجاملات وبدأت عملية إعداد الترتيبات للدورة الجديدة.
العامل المشترك الأكبر في البرلمان في يومه الأول كانت السيجارة التي انتشرت في المجلس رغم وجود قانون الصحة العامة الذي يمنع (افتراضيا) التدخين في الأماكن العامة.
قبل ذلك بأيام وفي مؤتمر صحافي لوزير الصحة سألت مواطنة الوزير عن منع التدخين في الأماكن العامة وطالبت بتطبيق القانون حماية لأطفالها من تبعات التعرض للسجائر، فكان رد وزير الصحة والموثق تلفزيونيا “خليهم في البيت”
كل هذا يأتي على خلفية قرار حكومي حكيم بتخفيض اسعار الدخان في البلاد في وقت يتزايد فيه سعر كل خدمة وسلعة مفيدة أو حيوية للإنسان. هل يمكن أن نحلم في هذا البلد بالوصول إلى وضع يمكن من خلاله احترام قانون منع التدخين من قبل كافة المسؤولين واصحاب القرار؟
في السجلات التاريخية لتطور الإنسان، سواء السجلات الأحفورية أو النقش على الصخور أو بدايات الكتابة، يلاحظ علماء الآثار مدى تطور الخصائص الاجتماعية للإنسان، كما يقومون بتسمية تلك الخصائص وتوثيقها بناء على مكان الاكتشاف. فهناك إنسان النياندرثال وهناك إنسان سومطرة وجاوا وهناك إنسان لاسكو في فرنسا الذي رسم على جدران الكهوف. وإذا ما فكرنا بعد مئات، بل آلاف السنين كيف سينظر علماء الآثار إلى الإنسان الأردني من خلال المستحاثات فمن شبه المؤكد أن هذا الإنسان سيكون “ الإنسان المدخن” |
الإنسان الأردني، الذي يقضي جل يومه في التذمر والشكوى وانتقاد الحكومة بسبب الطفر والديون والمشاكل المالية ويخرج في مظاهرات واعتصامات ضد ارتفاع أسعار الغاز، والمستعد دائما أن يدخل في عراك مع سائق تاكسي أو بائع من أجل بريزة، لا ترمش له طرف عين وهو يدفع يوميا ما يزيد على دينار ونصف، يستخلصها من أفواه أولاده من أجل أن يشتري علبة دخان ويدمر صحته تدريجيا وهو سعيد بذلك.
والأردني غير المدخن يثير الدهشة في مدى ليونته واستكانته في الطلب من المدخنين التوقف عن التدخين، لأنه يعتبر أن مثل ذلك الطلب اجتياح للحرية الشخصية للمدخن أو أنه ذنب اجتماعي عظيم يستوجب أحيانا الاعتذار الطويل عن هذا التصرف الشائن بينما يملك المواطن غير المدخن في كل العالم حقا كبيرا بالطلب من جيرانه وزملائه أن يكفوا عن قتله تدريجيا بل ومقاضاتهم في المحاكم إن لم يستجيبوا.
عندما يخرج الأردني إلى دولة أخرى تحترم قانون منع التدخين لا يملك إلا الاستجابة الصاغرة لتلك القوانين فتجده في المطار منزويا في موقع المدخنين أو مضطرا إلى البقاء في الزمهرير البارد ليدخن خارج المواقع العامة المغلقة شأنه شأن جميع الناس في تلك الدولة، أو أن يقرر التوقف عن التدخين مؤقتا حتى يضع أول ساق في مطار الملكة علياء وتبدأ بعدها حفلة التدخين التي لا يوقفها أحد.
وهناك أيضا فوارق اجتماعية في التدخين، فنوعية العلبة والقداحة مؤشر للوضع الاجتماعي للشخص، فالسجائر الأميركية والفرنسية المستوردة تختلف عن نشارة الخشب والتراب المحلية، التي يفخر اقتصاديونا بها ولكنهم لا يستخدمونها أبدا، كما أن تدخين السيجار سواء الكوبي الغليظ أو الأميركي الرفيع مؤشر اجتماعي-اقتصادي أهم من معدل الدخل الفردي لتحديد القيمة الاقتصادية للمدخن.
إذا كان المسؤول الرسمي يدخن بشكل واضح في انتهاك محزن للقانون فكيف سنضمن أن هذا المسؤول قادر على احترام كافة قوانين الدولة، وإذا كان النائب المشرع يدخن تحت القبة فكيف يحترم التشريعات التي أصدرها، وإذا كان المدخن يقرر أن يضيع أمواله ويدمر صحته ويقتحم حرية الآخرين وهو مدرك لقراره هذا فكيف يمكن أن يتهم الحكومة بعدم تحسين الأوضاع الاقتصادية وانتهاك حقوق المواطنين؟
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باتر محمد علي وردم جريدة الدستور
login |