تطلب الأمر فقط كلمتين ذات وقع مفزع “عبدة الشيطان” لوصف مجموعة صغيرة من طلبة جامعة آل البيت “اختلفوا” عن بقية الطلبة في نوعية الموسيقى التي يسمعونها. الخلاف الذي بدأ بين هؤلاء الطلبة وزملاء لهم من السلفيين تطور ليصبح اعتداء بالضرب من قبل الطلبة دون تدخل الأمن الجامعي واعتقالا تلته استجوابات واتهامات قضائية وإيداع في السجن. كل هذا يبدو قابلا للسيطرة عليه ولكن تهمة عبادة الشيطان التي تناقلتها وسائل الإعلام بدون تدقيق ولا حتى محاولة لمعرفة الحقيقة أصبحت سمة غالبة لمجتمع يجد صعوبة كبيرة في تقبل أي رأي أو موقف مختلف.

تهمة عبادة الشيطان جعلت الطلبة معرضين ليس فقط للسجن بل لانهاء مستقبلهم الدراسي وربما حتى تعريض حياتهم للخطر، وذلك في غياب دليل واحد على هذا السلوك والذي لا يتم في العادة إلا في مواقع مغلقة. لا يمكن لأي مجموعة من عبدة الشيطان في حال تواجدت في الأردن أن تمارس سلوكياتها في مكان مفتوح مثل جامعة أو مقهى عام، وفي حال أرادت تنفيذ هذا السلوك الشاذ فهذا يحصل في أماكن مغلقة ومحمية ولا يدخلها إلا المشاركون بها.

المعلومات عن الطلبة المعتقلين تشير بأنهم طلبة عاديون جدا ومعظمهم يمارس فرائضه الدينية بانتظام ولكن يستمعون إلى نوعيات من الموسيقى الغربية مختلفة عما يستمع إليه غالبية الطلبة من موسيقى محلية وعربية كما أن طريقة لباسهم مختلفة ولكن بشكل غير فاضح وغير مؤذٍ لأحد. المجتمع الطلابي في جامعة آل البيت لم يحتمل هذا الاختلاف وخاصة من قبل الطلبة اصحاب التوجه الديني المتشدد فتم التحريض والذي كان في غاية السلبية وشاركت الكثير من وسائل الإعلام في هذا المهرجان الذي استهدف مجموعة صغيرة من الطلبة وفتحت المجال لآلاف التعليقات التحريضية.

الأمر لا يتعلق فقط بعبدة الشيطان أو الشبان اصحاب التوجه الغربي في الموسيقى والسلوك بل أن وسائل الإعلام الأردنية وخاصة الجديدة منها والتي تطالب يوميا بحرية التعبير ومنع الرقابة وتتهم الحكومات بالقضاء على الحريات العامة لا تجد صعوبة في توجيه تهم قاسية ومدمرة لطلبة أو حتى مواطنين عاديين وأحيانا سياسيين واقتصاديين بدون أدلة، في ممارسة تبدو أقرب إلى سلوك مطاردة الساحرات في أوروبا في العصور الوسطى المظلمة وليس إلى سلوك وسائل إعلام ذات مهنية عالية.

القضية الآن بيد القضاء والذي سوف ينصف الطلبة لأنه مستقل ولن يتم الضغط عليه لإرضاء تيارات سياسية معينة، وهي تيارات تجد أنها الآن غير قادرة على تحقيق مكاسب سياسية لتنظيماتها وبالتالي تحاول الحصول على مكاسب اجتماعية ولهذا رأينا كل هذه البيانات الحزبية المتسرعة التي وجهت الاتهامات حتى قبل أن يبدأ التحقيق أو يتخذ القضاء قراراته وأحكامه.

الإعلام ليس حرية فقط بل مسؤولية، وممارسة التشويه والتحريض على اي شخصية عامة أو مواطن عادي هو سلوك غير مهني ويفتقر تماما إلى البعد الأخلاقي، خاصة في حال عدم توفر الأدلة والاعتماد المطلق على الشائعات والتواتر الشفهي والذي يؤدي إلى المبالغة في عرض المشاكل ويحرض على اتخاذ المواقف العدائية بدون مبرر.

المئات من الطلبة في جامعاتنا العديدة قاموا في السنوات الماضية بافتعال المشاجرات وتحطيم الممتلكات والاعتداء على الطلبة والطالبات المسالمين والتهجم على أعضاء الهيئة التدريسية ولم يصل اي منهم إلى مستوى تحمل مسؤولية ما فعل لأن الشخصيات السياسية والنواب والمتنفذين كانوا يساهمون في إعفائهم من العقوبات، ولكن خمسة طلبة لم يؤذوا أحدا وصلوا إلى حد الاعتقال بسبب الهياج الإعلامي، وهذا ليس أمرا إيجابيا أبدا.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور