في الوقت الذي كنا نتناقش فيه حول تشكيلة الحكومة الجديدة، وكم وزير من اصول ومنابت مختلفة، ومؤامرة التجنيس والتوطين، وغياب وزراء من أصول ومنابت معينة كانت جامعاتنا الحكومية تتحول في يوم واحد إلى ساحات حرب طاحنة بين شباب الوطن من التجمعات العشائرية المختلفة. معارك الجامعات تسببت في عدة إصابات وطعنات وحرائق وتكسير ممتلكات وتدخل الدرك وتعليق الدوام الرسمي، لتضاف إلى سلسلة لا تنتهي من المعارك الجامعية التي حدثت في السنوات الماضية.
تحدثنا كثيرا حول العنف الجامعي. عقدنا الندوات والمؤتمرات وأنتجنا الدراسات والاستطلاعات وتم نشر الكثير من المقالات والتصريحات ولكن الأمور تزداد سوءا. القضية تتعلق بأمر واحد هو القانون ولا شئ غيره. من يتسبب ويشارك في المشاجرات الجامعية يحصل في النهاية على عفو أو تخفيف للعقوبة بعد تدخل الوزراء والنواب والمخاتير والشخصيات السياسية والشيوخ وغيرهم من مكونات شبكة العلاقات الاجتماعية التي تحمي تجاوز القانون وترسخه كممارسة تعكس مدى القوة التي تتمتع بها هذه الشبكات.
لو يتم التعامل مع المتسببين والمشاركين بالمشاجرات الجامعية بنفس الحزم والقوة التي تم التعامل فيها مع ما يسمى «قضية عبدة الشيطان» في إحدى الجامعات الرسمية وتضمنت خمسة طلبة يستمعون إلى الموسيقى الغربية ولا توجد عليهم أدلة واضحة لكان هذا أمرا مناسبا، بينما الطلبة الذين يساهمون في الحرق والتكسير والتدمير قد يخرجون بدون اية مساءلة ولا عقاب وربما باحتفالية كبيرة تظهر بطولتهم العظيمة.
العنف في الجامعات، لا يختلف عن الخصخصة ولا عن ملفات الفساد ولا مشاجرات النواب ولا الاعتداء على الغابات والأراضي الحرجية أو عن اي نوع من سوء الإدارة العامة في البلاد ويقترن تماما بتلك القابلية العجيبة للهروب من القانون في حال كانت لدى الشخص أو الجهة المعينة واسطة لتجاوز تطبيق القانون. عندما يصل الطالب إلى مرحلة يعرف فيها أنه في اللحظة التي يرفع فيها عصا للضرب والتكسير أو يشعل ابسط حريق سيكون قد قضى على مستقبله الدراسي سوف يقكر ألف مرة قبل أن يتصرف بهذه الطريقة. لكنه عندما يدرك وبفضل التربية المغلوطة أنه سيكون بمنأى عن المساءلة والعقاب فلا يوجد اي سبب يمنعه من تجاوز القانون.
التوعية جيدة وكذلك التعليم والتثقيف والنصح والوعظ والإرشاد، ولكن بدون قانون وحزم لا يمكن إيجاد حل لأزمات العنف الجامعي. العقوبات الحازمة وغير القابلة للنقض هي الخطوة الأولى وبعد ذلك الحلول الناعمة التي ثبت أنها لا تقدم ولا تؤخر
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باتر محمد علي وردم جريدة الدستور
login |