يدمن الرجال على الكثير من الأمور السلبية مثل السهر والتدخين والأرجيلة والنوم واللعب بالهواتف النقالة ولكن هنالك إدمانا إيجابيا لا يقل تأثيرا عن كل ما سبق وهو القراءة. يجب أن تدرك كل إمرأة تتزوج رجلا قارئا بأنها ستواجه ضرة في غاية الخطورة، ويجب أن يدرك الأطفال دائما أنه في فترة ما سيضطر والدهم للانصراف عنهم لممارسة الهواية التي تريحه نفسيا. على أفراد الأسرة أن يتهيأوا للتكيف مع هذا النمط من الحياة، فالرجل القارئ قد يستغني عن الكثير من الهوايات والنشاطات في حياته ولكن من الصعب جدا أن يستغني عن هواية القراءة منذ الصغر وحتى الكبر. هذا بالطبع لا يعني بأن المراة ليست قارئة بل أن نسبة النساء القارئات قد تكون أعلى، ولكن هذا المقال هو عن الرجال
أدين بالفضل إلى والدي في تشجيعي على القراءة لأن منزلنا كان دائما يتضمن الكتب والمجلات وكافة مصادر القراءة وبقي والدي دائما يلعب دور المساند والناصح وسائق السيارة الذي يقلني إلى مكتبات وسط البلد وإلى معارض الكتب من أجل متابعة واقتناء الكتب الجديدة، بدون اي تذمر سواء من الوقت أو هدر الموازنة | مع مرور السنوات وتغير الاهتمامات ومراحل حياتي من الدراسة إلى العمل وتغير الوضع الاجتماعي من أعزب إلى متزوج إلى رب أسرة بقي هنالك أمر ثابت واحد فقط وهو لائحة الكتب الشهرية التي أقرأها وبالطبع الموازنة المرصودة لها والتي تتأثر بنسب الإرتفاع في تكاليف المعيشة والموازنات الأسرية.
الكتاب الورقي بقي هو المتفوق، وبالرغم من التكنولوجيا الحديثة وتحميل الكتب الرقمية واستخدام الحواسيب والكندل والآيباد لا يوجد شئ أفضل من الإمساك بالكتاب الورقي والشعور به وبتقليب الصفحات وكتابة ملاحظات وبالطبع ترافق ذلك مع الظروف المناسبة للقراءة مثل المشروبات الساخنة والهدوء الذي يعم بعد أن يخلد الأطفال للنوم ويصمت التلفاز عن الثرثرة. في السنوات الماضية تغيرت اهتماماتي في القراءة من الفكر والفلسفة والسياسة إلى ما هو أكثر واقعية مثل الكتب المتعلقة بالتخصص المهني أو في العلوم والتاريخ والرياضة والسير الذاتية وربما الكتب الأسهل قراءة بسبب عدم توفر الوقت والظروف المناسبة بشكل دائم ولكن الشغف بقي ذاته. أصبحت ايضا مهتما بالكتب ذات الحجم الصغير والتي يمكن قراءتها اثناء انتظار موعد عيادة الطبيب أو دور البنك أو حتى قبل فتح الضوء الأخضر في إشارات المرور التي تستهلك الكثير من وقتنا |
مع مرور الوقت وفي حال عدم توسع مساحة المنزل سيجد المرء نفسه أمام خيار التضحية بالكثير من الكتب لأن هناك منافسين جددا على المساحات المنزلية مثل ألعاب الأطفال وأثاث جديد وأجهزة وأدوات لها فائدة أو بدون فائدة ولكن في هذا أيضا فرصة لنقل الكتب إلى قراء آخرين عن طريق التبرع أو بيع الكتب المستعملة والتي تجعل المعرفة تنتقل من موقع لآخر بمنتهى اليسر كما يفترض أن تكون.
وجود الشخص القارئ في مكتبة أو معرض للكتاب هو بمثابة وجود المرأة في مركز تجاري ومواقع التسوق أو أطفال في محال بيع الألعاب حيث من الضرورة وجود ضوابط من أجل منع التهور، ولكن في هذه المواقع يحس المرء بالقيمة المضافة للحياة. منذ الصباح تصحو من أجل العمل والرزق وتبذل جهدا لرعاية الأسرة والتواصل الاجتماعي والمسؤوليات العامة والخاصة ولكن في وقت ما يجب أن تسدل الستارة على كل هذه المسؤوليات ويبقى الثلاثي الذي لا يمكن تخيل الحياة بدونه: عقل يقرأ، وضوء مريح وكوب من المشروبات الساخنة.
رحلة القارئ مع كتبه هي رحلة عشق لا ينتهي ولكل شخص طقوسه الخاصة في القراءة وتشكل جزءا رئيسيا من الشخصية وتمنحنا قيمة عليا لإدراك ذواتنا والعالم من حولنا.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باتر محمد علي وردم جريدة الدستور
login |