التهجير والنوع الاجتماعي:سؤال الذاكرة والفاعلية(1-3) 

شكّل تهجير الفلسطينيين عام 1948م؛ علامة فارقة ليس للتأريخ للشعب الفلسطيني فحسب؛ بل لمرحلة سياسية بدأت، وما زالت مستمرة حتى الآن. وحين الحديث عن أثر هذه الهجرة على الشعب الفلسطيني (نساء ورجالاً)، نلاحظ أنه، وبالرغم من العوامل المشتركة، التي شتتت الأسرة الفلسطينية، وفرّقتها في أصقاع الأرض؛ إلا أن هناك بعض الخصوصية، لتأثير الهجرة على المرأة الفلسطينية.
وقد حاولت الكثير من الدراسات، أن تتقصى أثر هذه النكبة على النساء؛ لكنها لم تصل إلى ما ترجو من نتائج، لسبب رئيس فيما أرى، هو منهج البحث، الذي لم يتوجه إلى النساء، معتمداً المنظور النسوي بشكل أساس. ماذا يعني اعتماد المنظور النسوي للتاريخ الشفوي؟ وكيف يرتبط هذا المنظور بالفاعلية؟ وما علاقته بالتهجير؟ 
حاولت الإجابة على هذا السؤال، من خلال ورقتي المقدمة، للمؤتمر الذي نظمته وزارة المرأة، بالتعاون مع مركز إنسان/جامعة القدس، وجامعة يورك/كندا، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بتاريخ: 5-7 آذار 2005.
تناولت الورقة تهجير الفلسطينيين العام 1948م، ودور المرأة المهجرة الفاعل، في الوطن وفي الشتات، من خلال منهج التاريخ الشفوي، المرتبط بتحليل النوع. ذلك المنظور الذي يتوجه إلى المرأة، بواسطة المرأة. هو المنظور متعدد الاتجاهات، الذي استفاد من حقول معرفية متعددة، وكشف اصطناع تقسيم المعرفة الأكاديمية، الذي يحد من المعرفة المتعمقة للنساء. إنه المنهج البحثي الذي يتيح حرية ومرونة، للباحثات والراويات معاً، حيث المعرفة الأعمق بنفسية النساء.
جاء سؤال التهجير وأثره على المرأة الفلسطينية، ضمن بحث مؤسسي واسع، أجرته وزارة المرأة (إدارة تخطيط وتطوير مشاركة المرأة/ وزارة التخطيط- سابقاً)، هدف إلى تقصي مشاركة المرأة الفلسطينية، في العمل السياسي، فترة الثلاثينات إلى أواسط الستينات، والإجابة على التساؤل الكبير المطروح بالنسبة للنساء: هل شاركت النساء في السياسة أساساً، في تلك الفترة التاريخية؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فهل كانت مشاركة النساء السياسية أساسية، كما يفترض البحث، أم هامشية، كما تذكر بعض كتب التاريخ ؟ وما هو دور المرأة الريفية في تلك الفترة السياسية؟ 
حاول البحث أن يستمع إلى أهداف الراويات، التي قد تتقاطع مع أهدافه؛ لكنها لا تتطابق معها بالضرورة. كان هذا ضمن المنهج الذي استدعى الاستماع إلى صوتي المرأة المتناقضين: صوتها الذي تدربت عليه طويلاً، وصوتها الخفي، الذي تعلمت كبحه طويلاً، محاولاً قراءة الصوت الخفي، وغربلة ما بين الصوتين، من أجل القراءة الأعمق لأفكار النساء.
اعتمد على قراءة لغة الجسد، والانفعالات التي صاحبتها؛ ما استدعى تسجيل حركة جسد الراوية وتسجيل انفعالاتها، في اللحظة نفسها الذي سعى فيها لتسجيل كلماتها. كان لا بد من الانتباه إلى حركة اليدين، والأرجل، والرأس ككل، ثم بشكل منفصل: الحاجبين، والشفتين، والعينين، والفم؛ حيث التفاعل الإنساني، الذي يعبر عن التواصل الإنساني، والذي يعبر عن الانفعالات، التي تصاحب الأفعال.
ومن خلال هذا المنهج؛ أتاح البحث مساحة واسعة للنساء، كي يخترن الزاوية، التي يحببن أن ينطلقن منها، عند إجابة أسئلة البحث، بحيث يتبين من خلال اختيارهن: أية تجارب وأية أحاسيس، هي المركزية والرئيسة، بالنسبة لهن.
لقد أتاح اتباع المنظور النسوي، الذي اعتمد على مبدأ المشاركة، والملاحظة، والصبر، والإصغاء الواعي؛ مساحة من الثقة ما بين الراويات والباحثات؛ ما جعل الراويات يفتحن عقولهن وقلوبهن للباحثات، ويتحدثن عن حياتهن وتجاربهن، بصدق وشفافية. 
وأخيراً، حاول البحث أن يمزج، ما بين ضرورة الحصول على بعض الإجابات المحددة، التي تفيد التأريخ لمساهمة النساء، في صنع تاريخهن، وما بين المساهمة في صنع أرشيف تاريخي للنساء. هي محاولة طموحة، على طريق كسر الصمت، المحيط بإنجازات النساء، واعترافاً بدورهن الفاعل، وإعادة تعريف بعض المصطلحات، التي استخدمها الرجال والنساء، دون الالتفات إلى دقتها، ومضمونها السلبي، في كتابة تاريخ الشعب الفلسطيني. هي محاولة لجسر الهوة، ما بين عمل النساء الدؤوب، لصناعة التاريخ، وما بين إهمال التاريخ، وتهميشه لجهد النساء، والمساهمة في صناعة مصادر تاريخية فلسطينية.

المراجع

miftah.org

التصانيف

ظواهر نسوية   العلوم الاجتماعية   فلسفة