"سيّـ..."، تجمّد الاسم في حلقي، ولم أعد قادرا على إتمامه، على الرغم من حاجتي الماسة إلى فنجان القهوة، في تلك اللحظات الدرامية، التي كنت أتابع فيها تطورات ثورة الشباب المصري!
كان عامل البوفيه المصري "سيد"، يحمل صينيته الفارغة، ويتكئ بجسده النحيل على طاولة المكتب المجاور، وعيناه مسمرتان على شاشة التلفاز، ليلتقط آخر الأخبار العاجلة، بسرعة، قبل أن يعاود الذهاب إلى عمله، لتلبية طلبات الموظفين، من أمثالي!
أشفقت عليه، وأجلت طلبي، إلى حين انتهاء الخبر العاجل، والذي أتذكر أنه كان يتحدث عن "غزوة" الإبل والبغال على حشود المتظاهرين في القاهرة، ووجدت نفسي مدفوعا أنا الآخر، إلى المتابعة معه، حتى انتهاء الخبر، بحلق يزداد جفافا، فقد كانت رائحة القهوة تأتي من بعيد، وتتخلل مساماتي، مضرمة اللهب بخلايا الإدمان في جسدي، غير أن بريق الدمعة التي التمعت في عين "سيد" في تلك اللحظة، وهو يشاهد قطيع البغال الهائجة تدوس أبناء جلدته، دفعتني إلى تأجيل رغبتي "بالمحبوبة السمراء" مرة أخرى!
ورأيت "سيد" ينسحب مكتئبا من غرفة المكتب، وكأنه لا يحس بوجودي حتى، فأدركت أن حزنه الداخلي أعمق من أن أطلب منه أن يعد لي فنجان قهوة، فوأدت الرغبة في نفسي، بانتظار "خبر عاجل"، أكثر فرحا يعيد إلى "سيد" توازنه!
طال انتظاري طويلا، حتى ظهر على الشاشة شريط خبر عاجل يتحدث عن خطاب وشيك لحسني مبارك، فناديت بأعلى صوتي على "سيد" كي يشاهد الخبر ويستمع إلى الخطاب، علّ الفرج يأتي، أخيرا، وأنعم بقهوتي المشتهاة!
غير أن رياح "حسني مبارك" جاءت بما لا تشتهي سفن الرغبة المضطرمة في جسدي، إذ كان الخطاب عبارة عن وعود زائفة، وتهديدات مبطنة، كعادته، فوجدت ألسنة اللهب تفور مثل "القهوة"، من عيني "سيد"، وقدّرت أن الوقت ليس مناسبا لإعداد فنجاني الأثير، وقررت أن أؤجل الطلب إلى "خبر" آخر!
"اللعنة، كم أنا محتاج إلى فنجان قهوة "عاجل"، يا سيد، لماذا انتقل "غليان" الثورة إلى بلدكم، وهل أنا مضطر إلى أن أدفع ثمن هذه الثورة من قهوتي تحديدا؟" تساءلت في نفسي، بحنق بالغ، لكني عاودت الصمت مرة أخرى، وقلت بأن من حق "سيد" أن يتابع ثورة بلاده، كما نتابع نحن مباريات كرة القدم، لأن المشهد الخارجي واحد وإن اختلف المضمون: شاشة تلفاز وحشد من المتابعين!
المهم!.. في الخبر العاجل "اللاحق"، تمنيت كثيرا لو أن "سيد" لم يكن موجودا، لكن شاء سوء طالعي أن يدخل مكتبي، لحظة بث صور منقولة عن "اليوتيوب"، وتتضمن مشاهد لباص صغير أسود كالشيطان، يدهم حشدا من الشبان المتظاهرين في الاسكندرية. كان المشهد مروعا، وكدت أقول له إن ما يراه، هو مشهد باص صهيوني يدوس شبانا فلسطينيين، حتى لا تعاوده الانتكاسة وأخسر فنجان القهوة، لكن الصور كانت أوضح من أن تخطئها العين، واضطررت عندها أن أقف لأسند "سيد" الذي لم يتمالك السيطرة على مشاعره، وأجهش في بكاء شديد، وكأنه يختصر قرون الأحزان المصرية من غزوة نابليون إلى "غزوة" البغال والإبل والباصات السوداء!
والحال أنني أوشكت أن أنسى فنجان القهوة الأثير تماما، في حمأة الأخبار العاجلة، حتى جاء الفرج أخيرا، حين تحدثت الأنباء عن كلمة منتظرة لعمر سليمان، وهرع "سيد" يتقافز على درج "البوفيه"، ليستمع إلى الخبر، الذي لم أعره كثيرا من الاهتمام، في البداية، لكن ما إن انتهت عبارة سليمان الموجزة: "قرر الرئيس حسني مبارك التخلي عن السلطة...."، حتى وجدت نفسي أنا وسيد، نقفز كالمجانين، ونتراقص طربا، ويحتضن أحدنا الآخر بفرح غامر، وحمّى الارتباك تسيطر علينا كلينا، وهتف "سيد" باضطراب: "سأعد لك أحلى فنجان قهوة بهذه المناسبة"! غير أنني، ووسط ذهولي الغريب، قلت له: "لا أنت السيد الآن يا سيد"!
أجلسته على مقعدي.. وذهبت لأعد له فنجانا من القهوة!!
باسل طلوزي
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة باسل طلوزي جريدة الغد العلوم الاجتماعية