بعد أن انفضت فزعة الانتخابات، وأصبحت أبعد من "صوت واحد"، أعجبنا نحن أبناء الدائرة الانتخابية "صفر"، بالتقسيمات الجغرافية، التي فرضتها علينا ضرورات الانتخاب، وقررنا أن نتمسك بها، حتى بعد انفضاض السامر، وعودة الجميع إلى "دوائرهم". وهكذا أعلنا حالة الاستنفار العام، خشية أن يتسلل إلى دائرتنا "صوت" انتخابي معاد من الدوائر المجاورة... فنحن لا نملك إلا "صوتا واحدا"، لا يحتمل التعدد، وعلينا أن ندافع عنه، بالباع والذراع؟
اتفقنا مع متعهد على إحاطة دائرتنا بسياج مكهرب، وزرعنا ألغاما مضادة للأفراد على طول الحدود مع الدوائر الأخرى، وأوكلنا إلى رهط من أشاوس الدائرة مراقبة الثغور، والأنفاق، وكل الطرق الفرعية المشتركة مع "الخصوم"، بعد أن سلحناهم بالبنادق والعصي والأمواس، وصرحنا لهم بإطلاق الرصاص، لمجرد الشكوك بأي محاولة لاختراق دائرتنا المنيعة.
وزيادة في الحيطة والحذر، فقد اشترطنا على أي راغب بدخول دائرتنا، أن يتقدم بطلب للحصول على تأشيرة دخول، قبل موعد الزيارة بشهر، على الأقل، لفحص اسمه وحمولته وعشيرته، والبحث عن جده السابع، للتأكد من أنه لا يعتزم الإقامة الدائمة في دائرتنا.
ولم نقف عند هذا "الّلحد"، أقصد "الحد"، فقد ارتأينا، أيضا، وإمعانا في "الخصوصية" التي تطبع أفراد دائرتنا، واختلاف لهجاتنا، وعاداتنا وتقاليدنا، عن الدوائر المحيطة، أن نعلن المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية معهم، فلا نسمح بتزويجهم من دائرتنا، ولا نسمح لشبابنا بالزواج من دوائرهم، كما قطعنا سائر أشكال التجارة مع دكاكينهم ومحلاتهم التجارية، بمختلف خدماتها، مثلما فرضنا عليهم حظرا مماثلا يمنعهم من الدخول إلى "سوبرماركتاتنا"، و"مولاتنا"، أيضا، وهو الأهم، إذ كان من حسن طالعنا، أن التقسيم، جعل معظم المنشآت الاقتصادية، واقعة ضمن حدود دائرتنا، بما فيها "حقول البترول"، في حين أن الدائرة المسكينة، رقم 119، وجدت نفسها، تجاور المخافر.
ولأن الانفصال الاجتماعي والاقتصادي، عاد بمردود جيد، على دائرتنا، فقد ارتأينا أن نطوره إلى انفصال سياسي، فقد أعلنا دائرتنا الانتخابية، دائرة مستقلة، بحدود واضحة، تحدها شمالا "بركة البيبسي"، وجنوبا سجن "الجويدة"، وشرقا "سوق الحرامية"، وغربا "قهوة خبيني"، وأصدرنا هويات خاصة "غير مثقبة" لشعب الدائرة.
والحال، أن هذا الانفصال، كان تتويجا لمحصلة التباينات المطلبية "العميقة" بيننا وبين الدوائر الأخرى، فقد تركزت مطالبنا على نصب "عمود كهرباء"، في حين كانت الدائرة المجاورة تطالب بـ"عمود هاتف"، وأخرى بـ"تزفيت شارع"، وثالثة بـ"موقف باص"، ورابعة بـ"خط مجاري".. الخ، أما الدوائر "الوهمية" فقد اتخذنا نحن أصحاب الدوائر "الواقعية" قرارا جماعيا، بمقاطعتها نهائيا، لأن منها من كان يطالب بـ"الوحدة"، و"الحرية"، و"التحرير"، فضلا عن مطالب "تاريخية" أخرى، طواها النسيان والمعاهدات و"الصلح"، وحمدنا الله أنها كانت مجرد مطالب صادرة عن دوائر "وهمية".
وإمعاناً في قطريتنا، قررنا، أيضا، أن ننشئ عصابات للتدخل السريع، في حال حدوث أدنى مشاجرة مع أي فرد من دائرة أخرى، حتى لو كانت بسبب "جحرة عين"، أو تنافس طالبين على قلب فتاة، كما قررنا أن نصدر موسوعة تراثية، لتوثيق حمائلنا، منعا لاختلاط الدماء والأنساب، والبطون.
كما قررنا، وانسجاماً مع الولع بالحدود القطرية التي أصيبت بها أقطارنا العربية، أن نصنع تمثالين لكل من "سايكس" و"بيكو"، في دائرتنا، اعترافا بفضلهما في ترسيخ محاسن القطرية، التي بدأت تنهش الأقطار من الداخل، بعد أن أجهزت عليها، من الخارج، خصوصا، وأننا صرنا ننظر إلى الدوائر الأخرى، كمن ينظر إلى سكان "الأسكيمو".
وختاما، فقد قررنا، أيضا، أن نمنع تلك الأناشيد التي عفا عليها الزمن من التسلل إلى عقول أطفال دائرتنا، على غرار نشيد "موطني موطني" واستبدلناه بنشيد "دائرتي.. دائرتي".
وها نحن، ندرس الآن، بجدية بالغة، مصادرة سائر مؤلفات الشاعر حافظ إبراهيم، الذي قال يوما : "لم أر كالعرب قوما، تكمن القوة في أفرادهم.. ويذهب الضعف في مجموعهم

باسل طلوزي


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  باسل طلوزي   جريدة الغد   العلوم الاجتماعية