أزمة السيادة الأوروبية
يوشكا فيشر *
أخيرا، قبلت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل شكلا جديدا للاتحاد الأوروبي. فالآن، وأكثر من أي وقت مضى، يتوجب على الاتحاد الأوروبي أن يجمع بين المزيد من الاستقرار والتحويلات المالية والتضامن المشترك إذا أردنا أن نمنع انهيار كامل المشروع الأوروبي تحت ثقل أزمة الديون السيادية الحالية.
لقد قامت ميركل، ولفترة طويلة، بمحاربة هذا الاتحاد الأوروبي الجديد بكل ما أوتيت من قوة، لأنها تعرف مدى عدم تمتعه بالشعبية في ألمانيا، مما يعني سياسيا أنه خطر جدا على حظوظها الانتخابية. لقد أرادت ميركل أن تدافع عن اليورو، ولكنها لم ترد دفع ثمن القيام بذلك. إلا أن هذا الحلم في نهايته بفضل الأسواق المالية.
فقد أصدرت الأسواق إنذارا أخيرا لأوروبا: إما أن تتبنى المزيد من التكامل الاقتصادي والمالي على أساس فيدرالي، أو مواجهة انهيار اليورو ومن ثم الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك السوق المشتركة. وفي آخر لحظة، اختارت ميركل أن تطبق الخيار المنطقي.
لو قام رؤوساء دول وحكومات االاتحاد باتخاذ هذا القرار الذي كان متوقعا قبل سنة، لما كانت أزمة اليورو لتتصاعد إلى الحد الذي وصلت إليه حاليا، ولكانت الفاتورة الإجمالية أقل، ولتلقى القادة الأوروبيون المديح على عملهم الفذ. لكن، وكما قلت سابقا، لم تجرؤ ميركل على التصرف.
إن الاتفاقية، والتي تم التوصل إليها في اجتماع المجلس الأوروبي الأخير، أكثر تكلفة، سواء سياسيا أو ماليا. وبالرغم من مضاعفة المساعدة المالية وتخفيض أسعار الفائدة، فإن الاتفاقية لن تنهي أزمة الديون اليونانية وغيرها من البلدان على أطراف أوروبا، كما أنها لن توقف ما يرتبط بذلك من أزمة وجودية للاتحاد الأوروبي. إن ما ستفعله الاتفاقية هي أنها ستمنح الفرصة لكسب الوقت، وبتكلفة عالية. ويبدو أنه من المستحيل تجنب المزيد من حزم المساعدات لليونان، نظرا إلى أن الخسائر التي تم فرضها على الدائنين فيما يتعلق بالديون اليونانية كانت متواضعة للغاية.
إن البلدان الأخرى في منطقة اليورو، والتي تشهد أزمات، لم يتم العمل على جعلها مستقرة، لأن المانيا –والتي تشعر بالخوف من العواقب السياسية الداخلية- لم تجرؤ على التعامل مع مسألة الالتزامات عن طريق إصدار سندات أوروبية، بالرغم من أن الدور الجديد لجهاز الاستقرار المالي الأوروبي يعني أن 90% من الموضوع قد تم التعامل معه فعليا، ومرة أخرى لم يكن هناك نجاح في تدعيم الثقة في وجة عناصر هذه الأزمة.
لكن تحمل الدائنين من القطاع الخاص لجزء من تلك الديون، والذي تمت الإشادة به في ألمانيا، هو في الواقع ذو أهمية ثانوية، وقد كان الهدف منه فقط إرضاء الجمهور الألماني ونواب التحالف الحالي الحاكم. وفي الواقع، عندما ننظر إلى هذا الموضوع، سنجد أن البنوك وشركات التأمين قد حققت ربحا جيدا، وأن خسائرها سوف تبقى محدودة للغاية.
بالرغم من كل ذلك، فقد تم تجنب إنهيار العملة. وكان الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، محقا عندما أشاد بتأسيس "صندوق النقد الأوروبي" كإنجاز حقيقي، لكن هذه الخطوة الجريئة لها عواقب سياسية كبيرة، والتي يجب أن يتم تفسيرها للناس، لأن الخطوة من أجل تأسيس مثل هذا الصندوق –أي تأسيس حكومة اقتصادية أوروبية- يعتبر ثورة سياسية للاتحاد الأوروبي، كما انعكس ذلك في ثلاثة أمور:
أولا: اتحاد من جزئين يسيران بخطى متفاوتة، والذي أصبح واقعا منذ الجولة الأولى لتوسيع الاتحاد الأوروبي. وهذا سيقسم الاتحاد الأوروبي إلى مجموعتين، هما: المجموعة المتقدمة (مجموعة اليورو)، والمجموعة الموجودة في المؤخرة (أي بقية أعضاء الاتحاد الأوروبي السبعة والعشرين). هذا التقسيم الرسمي سوف يغير بشكل أساسي التركيبة الداخلية للاتحاد. فتحت مظلة الاتحاد الأوروبي الموسع، فإن الخطوط القديمة التي تفصل بين السوق الاقتصادية الأوروبية بقيادة ألمانيا وفرنسا، وبين اتحاد التجارة الحرة الأوروبية بقيادة بريطانيا والدول الاسكندنافية، سوف تظهر مجددا. ومن الآن فصاعدا، فإن دول اليورو سوف تحدد مصير الاتحاد الأوروبي أكثر من أي وقت مضى بسبب مصالحها المشتركة.
ثانيا: إن هذه القفزة إلى صندوق النقد والحكومة الاقتصادية سوف تؤدي إلى المزيد من الخسائر الكبيرة في السيادة للدول الأعضاء لصالح حل فيدرالي أوروبي. فعلى سبيل المثال، ضمن الاتحاد النقدي سوف تكون الموازنات الوطنية خاضعة لهيئة الإشراف الأوروبي.
أخيرا، هذا يعني أنه في المستقبل فإن ميركل وساركوزي على وجه الخصوص سوف يضطران إلى خوض صراع بشكل أكبر كثيرا من الماضي من أجل الحصول على أغلبية انتخابية. واليوم، فإن الحصول على مثل تلك الأغلبيات هو أقل مقارنة بأي وقت مضى.
لو تمكن اليورو من النجاة والبقاء، فإنه سوف يكون من الصعب تجنب تكامل حقيقي مع المزيد من نقل السيادة إلى المستوى الأوروبي. ويجب أن لا يتم اتخاذ مثل هذه الخطوة التاريخية من خلال البوابة الخلفية للبيروقراطية، ولكن تحت الأنوار الساطعة للسياسات الديمقراطية. إن المزيد من الفيدرالية للاتحاد الأوروبي يعني أنه يجب أن يكون هناك المزيد من الديمقراطية.
لو بقيت منطقة اليورو، فإن معظم سكانها، وخاصة في ألمانيا وفرنسا، يجب أن يقبلوا باليورو كعملة لهم. وهذه ليست قضية تكنوقراطية، بل قضية سياسية وديمقراطية بامتياز. ولو أعدنا صياغة مقولة بيل كلينتون الشهيرة سنقول "إنها السيادة أيها غبي". وعليه، فإن أول خطوة يجب اتخاذها هي التحقق من أن يكون هناك دور قوي للبرلمانات الوطنية في هذه المسيرة.
لقد أصبح في ألمانيا توافق عريض على وجود اتحاد مستقر، ولكن ليس اتحاد التزامات. وهذا الكلام ينطبق على وجه الخصوص على ناخبي ميركل. ومن الآن فصاعدا، يتوجب على الحكومات أن تقاتل من أجل الحصول على أغلبية تساند اليورو. وهذا شيء جيد لأنه فقط في تلك الحالة سوف يكون هناك توافق على مستقبل أوروبا. وسوف يتوجب على المستشار الألماني والرئيس الفرنسي أن يقدما سياساتهما بشكل مفتوح وعلني، وأن يعملا جاهدين من أجل المزيد من التكامل ومن أجل العملة الموحدة.
إن النتيجة سوف تقرر مصيرهم. واستمرارهم في مناصبهم ونجاحهم هو أمر غير مؤكد، وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار الوضع الحالي للرأي العام الأوروبي، ولكن إن لم يحاولوا فإن هزيمتهم وهزيمة أوروبا ستكون مؤكدة.
المراجع
om77.net
التصانيف
صحافة بروجيكت سنديكيت جريدة الغد العلوم الاجتماعية