ريتشارد ن. هاس*
قبل نحو أربعين عاما، عندما التحقت بجامعة أكسفورد كطالب للدراسات العليا، أعلنت عن اهتمامي بالشرق الأوسط. وقد أُخبِرت آنذاك أن هذا يندرج تحت عنوان "الدراسات الشرقية"، وأنني سوف أبدأ دراستي تحت إشراف الأستاذ المناسب. ولكن عندما وصلت في موعد مقابلتي الأولى إلى مكتب الأستاذ، وجدت الأرفف التي تحمل كتبه مصطفة بمجلدات تحمل أغلفتها كتابات باللغة الصينية، وتبين لي أنه كان متخصصاً فيما بدا لي وكأنه المشرق الخطأ، في ذلك الوقت على الأقل.
ويبدو أن السياسة الخارجية الأميركية انزلقت إلى شيء أشبه بهذا الخطأ. فقد انشغلت الولايات المتحدة بالشرق الأوسط، ولم تعط الاهتمام الكافي لشرق آسيا ومنطقة المحيط الهادئ، حيث سيدون التاريخ العديد من أهم صفحاته في القرن الحادي والعشرين. والنبأ السار هو أن هذا التركيز بدأ يتبدل الآن، فقد أعادت الولايات المتحدة اكتشاف آسيا.
ويُعَد تعبير "إعادة الاكتشاف" مصطلحاً أساسياً هنا. فقد كانت آسيا أحد مسرحين أساسيين في الحرب العالمية الثانية، ثم تقاسمت آسيا الأهمية مع أوروبا أثناء الحرب الباردة. ولكن مع نهاية الحرب الباردة وزوال الاتحاد السوفييتي، تراجع الاهتمام الأميركي بآسيا. وأثناء العقد الأول من عصر ما بعد الحرب الباردة، وجهت الولايات المتحدة قدراً كبيراً من اهتمامها نحو أوروبا. كما ركزت أميركا في الأساس على توسيع "الناتو" ليشمل العديد من بلدان حلف وارسو سابقا.
ثم بدأت المرحلة الثانية من عصر ما بعد الحرب الباردة بالهجمات الإرهابية في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001. وأعقب ذلك عقد من التركيز الأميركي على الإرهاب. واندلعت حربان في أفغانستان والعراق حصدتا أرواح أكثر من 6000 من الجنود الأميركيين، وتكلفتا أكثر من تريليون دولار أميركي.
ولكن هذه المرحلة من السياسة الخارجية الأميركية تشرف الآن على نهايتها. فقد أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما أن القوات المسلحة الأميركية سوف تخرج من العراق بحلول نهاية العام 2011. وفي أفغانستان فإن السؤال الوحيد الآن يدور حول سرعة الانسحاب وحجم ودور أي حضور عسكري أميركي قد يظل هناك بعد العام 2014.
كل هذا لا يعني أن منطقة الشرق الأوسط لا تشكل أهمية، فالمنطقة ما تزال تحتوي على احتياطات هائلة من النفط والغاز، وهي تشكل جزءاً من العالم حيث ينشط الإرهابيون وتشيع الصراعات. فإيران باتت اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى إنتاج الأسلحة النووية؛ وإذا حدث هذا فإن دولاً أخرى قد تحذو حذوها. هذا فضلاً عما تشهده المنطقة الآن من اضطرابات سياسية داخلية قد تؤدي إلى عواقب تاريخية. وهناك أيضاً الارتباط الفريد من نوعه بين الأميركيين وإسرائيل.
ولكن هناك على الرغم من ذلك ما قد يدفع الولايات المتحدة إلى تقليص دورها في المنطقة: ضعف تنظيم القاعدة؛ والاحتمالات الهزيلة لنجاح جهود صنع السلام؛ وفي المقام الأول من الأهمية، الأدلة المتنامية التي تؤكد بكل المقاييس أن مبادرات بناء الدولة الهائلة لا تدر من العائدات ما يتناسب مع الحجم المستثمر فيها من أموال وجهد.
ومن ناحية أخرى، هناك حجج قوية تدعم زيادة حجم المشاركة الأميركية في منطقة آسيا والهادئ. فبسبب ضخامة أعداد سكانها وسرعة نمو اقتصادها، يصبح من الصعب أن نبالغ في تقدير الأهمية الاقتصادية التي تشكلها المنطقة. وهذا يعني أن الحفاظ على الاستقرار الإقليمي يشكل أهمية حاسمة لنجاح اقتصاد الولايات المتحدة (واقتصاد العالم). وتلتزم الولايات المتحدة بتحالفات متعددة مطلوبة جزئياً لردع العدوان الكوري الشمالي. فضلاً عن ذلك فإن سياسة الولايات المتحدة لابد وأن تعمل على خلق بيئة لا تغري الصين أبداً باستخدام قوتها المتنامية لقهر جيرانها.
إن الولايات المتحدة تحسن صنعاً بتحويل تركيزها من الشرق الأوسط إلى الشرق الأقصى. ومما يدعو إلى التفاؤل أن هذا التوجه يبدو مقبولاً لدى مختلف الأطياف السياسية في الولايات المتحدة. وبعيداً عن كون القرن الحادي والعشرين "قرناً أميركياً" آخر أم لا، فمن المؤكد أنه القرن الذي سوف تضطلع فيه منطقة آسيا والهادئ بدور بالغ الأهمية. ومن الطبيعي أن تمثل الولايات المتحدة كياناً محورياً في صياغة وتشكيل كل ما قد ينشأ عن هذه الحقيقة.
* المدير السابق لتخطيط السياسات لدى وزارة الخارجية الأميركية، ورئيس مجلس العلاقات الخارجية حاليا.
«بروجيكت سنديكيت» بالاتفاق مع «الجريدة»
المراجع
aljarida.com
التصانيف
صحافة بروجيكت سنديكيت جريدة الغد