حينما لا تستطيع الحكومة فرض الأسعار وتحديد هوامش الأرباح، وحين تكون هناك تركيبة مشوهة في السوق تميل لصالح المنتجين على حساب المستهلكين، فهذا يعني خللا فيما نصفه باقتصاد السوق. فما الذي يمكن فعله؟
حينما تكون النقابات ضعيفة، وحينما لا تستطيع هيئات المجتمع المدني تحسين ظروف العاملين لديها وتحسين الشروط التعاقدية، وحين يصبح الموظف العام يتقاضى أجرا أعلى من موظف القطاع الخاص، يرافق ذلك فائض في العمالة، هل نتوقع من العاطلين عن العمل الاستكانة، ومن العاملين القبول بظروف عملهم والاستمرار في معادلة سادت لفترة طويلة ولم تشهد تغييرات جدية؟
حينما تكون السياسة الضريبية تقوم على مبدأ الضرائب غير المباشرة واستبعاد مبدأ الضريبة التصاعدية، وحينما نجد أن النمو الاقتصادي لا ينعكس على الشرائح المختلفة في المجتمع ولا على المناطق الجغرافية، وحينما لا يبدو في الأفق ما يشير إلى أن هناك تغييرات جدية في هذا المجال في طريقها إلى التطبيق، فهل نتوقع أن يحتفل الشارع بالنمو المتحقق مهما ارتفع؟ 
وحينما تكون السنوات الجامعية التي يقضيها الكثير من الطلبة ليست سوى تأجيل لالتحاقهم بسوق العمل، وحينما تصبح البطالة بين الجامعيين في أعلى مستوياتها بين الفئات المتعطلة، فهل يستحق النجاح في التوجيهي والتخرج من الجامعة الاحتفالية التقليدية وإطلاق الرصاص الذي يرافق تلك المناسبات؟ أم أنها فرصة للتفكر والتمعن في النظام التعليمي الذي لا يمكن أن يستمر كما هو، ونتوقع نتائج مختلفة؟  فما يحتاجه سوق العمل يختلف كثيرا عما نخرّجه؛ فهل نستمر بهذه المعادلة البائسة، أم أن التغيير الحتمي يجب أن يحدث وبسرعة؟
حينما تغيب مؤسسات العمل الفاعلة التي تساعد الشباب على الوصول إلى الفرص المتاحة، وحين تصبح العلاقات غيرالرسمية هي الوسيلة الوحيدة للالتحاق بسوق العمل، فلنا أن نتخيل درجة الإحباط لدى الشباب المتعطل، لاسيما في المناطق النائية التي لم يجد شبابها بدائل، فلجأوا إلى الاحتجاجات للتعبير عن همومهم.
حينما تكون سياسات الدعم مشوهة، وحينما نعلم أن الجزء الأكبر من الدعم، سواء للسلع أو الخدمات، يذهب الى غير مستحقيه، وحينما نعلم أن البيانات والمعلومات المتاحة لدى وزارة التخطيط ودائرة الإحصاءات العامة تحدد بؤر الفقر وكيفية التعامل معها، فهل يمكن تفهم لماذا التأخر في إعادة النظر في هذه البرامج التي تستهلك مئات الملايين من الخزينة العامة للدولة، وبدلا من أن تفيد الدولة وترفع شعبيتها تستحيل إلى عبء عليها.
حينما تكون البنوك متشددة ولا تقرض إلا بضمانات متشددة، وتركز على كبار المستثمرين وليس صغارهم، فهل نتوقع انتعاش قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بدون تدخلات مباشرة؟
نستطيع إضافة الكثير إلى الاختلالات الموجودة. والمشترك بين هذه المشاكل هو أن الدولة لن تتمكن، وتحت أي ظرف، من علاجها وحدها وعلى حساب الخزينة. فهناك بُعد يتعلق بقدرة الدولة ومؤسساتها على اقتراح حلول مثلا لسياسة الدعم المشوه، أو سياسات للتعامل مع تركيبة السوق ومؤسسات سوق العمل، وهذا ممكن، لكن بقية الاختلالات، وهي الأهم، تحتاج إلى تعزيز مؤسسات الدفاع عن المستهلك أمام المنتجين والبنوك؛ نقابات العمال. هذه الاستراتيجية ستمكن المجتمع وفعالياته من أخذ زمام المبادرة وتحقيق نوع من التوازن، والتخفيف عن كاهل الدولة التي لا تستطيع التصدي لكل هذا، ولكنها ستلام على النتائج.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم سيف   جريدة الغد