تعاني المناطق خارج المدن الكبرى من تدني مستويات التنمية، وارتفاع نسب البطالة، والشعور بالتهميش، وعدم توافر الموارد الكافية لتحقيق الكثير من المشروعات التي تساعد على إخراج تلك المناطق من عثرتها. هذه وجهة نظر طرف واحد في المعادلة. أما الحكومة المركزية، كطرف ثان، فتشعر أنها تنفق الكثير من الموارد على تلك المناطق، وهناك الكثير من صناديق التنمية، منها صندوق تنمية المحافظات، ومؤسسات الإقراض المتخصص، والبلديات وغيرها من المبادرات التنموية التي تنفق عليها مبالغ نقدية كبيرة. وبناء عليه، تجادل الحكومة المركزية بأنه لا يمكن، في ظل الظروف الاقتصادية والمالية السائدة، زيادة الإنفاق. في المقابل، فإن وجهة النظر الأخرى لا ترى المنافع المفترضة وتحقيق الأهداف المرجوة.
في ظل وجود وجهتي نظر متباعدتين، يصبح السؤال: كيف يمكن الخروج مما يشبه المأزق؟ وكيف يمكن تطوير أداء الإنفاق العام لكي يصبح مستجيبا أكثر لحاجات ومطالب المواطنين الذين يفترض أن يستفيدوا من الإنفاق المذكور؟
لا يكمن الحل برأينا في زيادة الإنفاق بالدرجة الأولى. ولكن ما نحتاجه هو مقاربة جديدة، تحقق عددا من الأهداف التي تزيد من قدرة المجتمعات المحلية على التحكم بقرارات الإنفاق، وتحديد الأولويات، وزيادة المشاركة في صنع القرارات التي تخص مجتمعاتهم. ولكي يتحقق ذلك، فإن النظام المركزي المتبع فيما يخص الإنفاق العام، يجب أن يتغير لصالح نظام جديد يقوم على لامركزية القرار.
وهذا ما ينقلنا إلى المرحلة الثانية: هل يمكن التفكير في نمط جديد فيما يخص الإدارات المحلية، بحيث تصبح المجالس المحلية المنتخبة على مستوى المحافظات، أو على أي مستوى يمكن التوافق عليه، هي الجهات التي تحدد عددا من الأهداف التنموية، وتحدد الاحتياجات، وبناء عليه تسعى إلى تأمين تلك الموارد ضمن برامج واضحة، على أن تخضع هذه البرامج لأقصى درجات الشفافية؟ ومقابل تلك المجالس التي ستقوم بالإنفاق وتحديد الأهداف، يجب أن تتشكل مجالس من المجتمع المدني للرقابة والمساءلة، تساند عمل ديوان المحاسبة في مسؤولية الرقابة والإشراف.
هذه الآلية التي نطرحها في هذه العجالة، تعني تغييرا جوهريا في نمط الحكم المحلي. وقد تم التفكير فيها أكثر من مرة، وطُرحت بدائل معقولة، كانت دوما تجهض للأسباب الخاطئة. ولا نعرف على وجه التحديد، بعد البدء في تجربة مادبا كنموذج لهذا النوع من الإدارة، ما الذي تغير، ولماذا لا يتم استكمال التجربة، وما الذي يمنع من الرجوع إليها وتقييمها بحيث ننتقل إلى مرحلة تتحمل فيها المجتمعات المحلية مسؤولياتها، وتقوم باتخاذ قرارات من شأنها التعاطي مع التحديات على المستوى المحلي، وإرخاء القبضة المركزية التي ثبت أنها وحدها لن تكون قادرة على توفير إمكانية الخروج من عنق الزجاجة؟
من شأن هذا النمط، أيضا، إبراز نخب سياسية ومجتمعية ملتصقة بالقواعد الشعبية، وقادرة على نقل همومها. وهذا من شأنه إيجاد ديناميكيات جديدة، عجز أسلوب الإنفاق والإدارة الحالي عن تطويرها على مدى سنوات، وبتنا أمام خيارين: الاستمرار بذات النمط، وعلى الأرجح ذات النتائج؛ أو التغيير وتجريب أسلوب جديد قد يؤدي إلى نتائج مختلفة، وديناميكيات أصبحنا بحاجة إليها في ظل انحسار الموارد الإضافية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم سيف جريدة الغد