جدلية التراث
الكاتب : د. محمد العياشي: المغرب
جب الإقرار بدءاً بأن لا وجود لحداثة عالمة بدون ذاكرة موشومة بتراثها المتوهج بكنوزه المحفوظة والمدروسة بقدر كبير من العلم والعمق والوعي. لذلك فقد انتبه عدد من المثقفين المجتهدين إلى طبيعة هذه الجدلية بين التراث والحداثة، فسعى كل واحد منهم واعتماداً على وجهة نظره، وطبيعة تكوينه الثقافي، ومنهجه الفكري، وموقفه من التراث، إلى الاهتمام بدراسة هذه القضية، وإبراز أبعادها الفكرية والحضارية.
والكتاب الموسوم بالتراث والحداثة من تأليف المرحوم د.محمد عابد الجابري، الذي صدرت طبعته الأولى في شهر سبتمبر1991م، يندرج في صميم هذه الممارسات المعرفية والثقافية والنقدية التي انتبهت مبكراً إلى أهمية دراسة التراث وتجديده وتطويره من منظور النقد المحترف والبناء وربط الصلة التفاعلية بينه وبين معطيات الواقع العربي لمواجهة عصف تيار الحداثة المتغرب والجارف.
وعلى الرغم من تباعد تواريخ إنجازها فهي مسكونة بهاجس واحد، هاجس العمل على بلورة رؤية جديدة للتراث العربي الإسلامي من خلال اصطناع منهجية حديثة في البحث والفهم والإفهام.
وكان السؤال المركزي الذي انشغل الدكتور بمعالجته في كل أعماله هو: (كيف نتعامل مع التراث؟)، وبعبارة أخرى كيف نستثمر هذا الإرث الحضاري الذي أنتجه الأجداد لخدمة الحاضر واستشراف المستقبل. لأنه لا يمكن أن نجيب عن سؤال الحداثة من دون ربطه بسياق الثنائية الجدلية الأصالة والمعاصرة، وكأن الجابري ينتقد ضمنياً ذلك الفكر المسطح والساذج الذي يرنو إلى القطيعة مع التراث. فهل يعقل أن كل هذا النتاج الثقافي والحضاري والتكنولوجي الذي ننتجه اليوم غير مفيد للأجيال القادمة، وكيف تستطيع أمة أن تصنع حضارتها بالانطلاق من الصفر. نعم هناك قضايا في هذا التراث قابلة للتطور والنقد والتعديل والتساؤل، وتلك سنة من سنن الحياة، ولعل هذا هو السؤال المهم الذي يجيب عنه الكتاب قيد القراءة والدرس، في ضوء رؤية الباحث المنطقية التي تستثمر بقوة العلاقة المتينة والجدلية بين التراث والحداثة.
وقد تناول الجابري موضوعه اعتماداً على خطة تحليلية تتكون من مقدمة وثلاثة أقسام وأربعة فصول، خصص المقدمة للكشف عن خلفية تأليف الكتاب وتوزيعه المنهجي ومكانته ضمن قائمة مؤلفاته التي تتغيا تقديم قراءة جديدة للتراث العربي الإسلامي، والتي تبلورت معالمها في شكل مشروع متكامل يمكن وسمه بنقد العقل العربي، والذي تضمن دراسات تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية، كما يتضح ذلك من عناوين كتبه: (تكوين العقل العربي، بنية العقل العربي، العقل العربي السياسي...).
غير أن الكاتب لم يكتف بالتحرك على خط واحد، خط نقد العقل النظري والسياسي بل تجاوزه إلى مستويات ومهام أخرى جاءت في سياق بحثه عن تحديث كيفية التعامل مع التراث؛ منه مثلاً مستوى ما يعبر عنه اليوم بـ(تطبيق الشريعة)، الذي كانت المناداة به دائماً شعار الحركات الإصلاحية في التاريخ الإسلامي، وكان يعبر عنه بـ(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). وهو مبدأ إسلامي أصيل. وقد مارست هذه الحركات التجديد والاجتهاد اعتماداً على التوسل بالأشباه والنظائر في سيرة السلف الصالح، ولم تكن تشعر بالقطيعة أو الانفصال عن التراث، لكن الظروف الراهنة تستدعي آليات منهجية أخرى للاحتكام إليها في التعامل والتواصل مع معطيات الحضارة المعاصرة التي لا أشباه لها ولا نظائر في الماضي. وإذن فالإصلاح أو (تطبيق الشريعة) أصبح يتطلب ليس فقط الرجوع إلى الأصول بل إعادة تأصيلها بطريقة تجمع بين اعتبار المقاصد والاسترشاد بأسباب النزول وبين الحاجيات الضرورية للعصر. وهذا النوع الجديد من إعادة تأصيل الأصول يستلزم الجمع بين استيفاء الشروط التي اشترطها الأقدمون في (المجدّد) واستيفاء الشروط التي يشترطها العصر من موقع الفاعل وليس موقع المنفعل والمنبهر.
أما المستوى الثاني في التعامل مع التراث فيتمثل في سؤال آخر وهو (كيف نتعامل مع الفكر العالمي المعاصر؟)، أو بمعنى آخر كيف نقدم قراءة عربية نقدية للفكر الأوروبي على غرار القراءة النقدية للعقل العربي، تطمح إلى احتواء هذا الفكر الأوروبي بدل أن يحتويها، والكشف عن تاريخيته ونسبيته وفضح ميوله إلى الهيمنة واختزال التاريخ القديم والحديث في التجربة الأوروبية وحدها.
وعلى هذا الأساس يكون سؤال الحداثة سؤالاً متجدداً بتجدد الحياة، وهو موجه إلى التراث بجميع مجالاته، كما أنه موجه إلى الحداثة نفسها بكل معطياتها وطموحاتها.
وفي ضوء هذا التصور عالج المؤلف موضوع الكتاب وقضاياه من خلال ثلاثة أقسام وأربعة عشر فصلاً؛ تناول في القسم الأول مجموعة من الأبحاث يتعلق بعضها بالمنهج تنظيراً وممارسة، ويطرح بعضها الآخر ضرورة الانخراط الواعي في الفكر العالمي المعاصر للاستفادة من المناهج الحديثة والتفتح على الرؤى الجديدة التي بإمكانها أن تسعف الباحث على قراءة عصرية للتراث في ضوء استيعاب مرن لإشكالية الأصالة والمعاصرة. بينما أدرج في القسم الثاني مجموعة من الدراسات التطبيقية للمنهج الذي اختاره لمعالجة قضايا موضوعه، كخصوصية العلاقة بين اللغة والفكر في الثقافة العربية (فكر الغزالي نموذجاً)، وضرورة إعادة التفكير في أمجاد بعض المدارس والنزعات الفكرية في المغرب والأندلس كمدرسة قرطبة. أما القسم الثالث فقد عرض فيه نصوص ذلك الحوار والمناقشات الجادة التي واكبت ظهور مؤلفاته، مضمّناً إياها بعض التوضيحات لما أثير على سبيل التساؤل أو الاستفهام على المنهج أو المفاهيم الموظفة في البحث.
المراجع
www.arabicmagazine.com/arabic/ArticleDetails.aspx?Id=1839موسوعة الأبحاث العلمية
التصانيف
الأبحاث