دأب المركز الوطني لحقوق الإنسان والعديد من منظمات المجتمع المدني، ومنها النقابات المهنية والأحزاب السياسية منذ سنوات، على مطالبة الحكومة بإلغاء المحاكم الخاصة (محكمة أمن الدولة).
ولكن، للأسف، ما تزال هذه المحكمة قائمة، وما يزال المواطنون يحاكمون أمامها، بشكل تعتبره منظمات حقوقية "يخل بمبدأ استقلال القضاء وينتقص من ضمانات المحاكمة العادلة" وفق التقرير الأخير للمركز الوطني لحقوق الإنسان الذي أعلن أمس.
هل تدفع هذه الدعوات الجديدة القديمة الحكومة التي تؤكد أنها بصدد إجراء إصلاحات شاملة، إلى قرار بإلغاء محكمة أمن الدولة؟ إن المجتمع المدني، والاستقرار الذي نعيشه، والحياة الديمقراطية التي نصبو إليها، تتطلب عدم وجود محاكم خاصة، إذ لا تستقيم هذه المحاكم مع الدعوة للإصلاح. فالمحاكم المدنية وليست الخاصة هي الضمانة لاستقرار المجتمع وتطوره، حيث تتاح للمواطنين محاكمة عادلة ضمن المواصفات والشروط القانونية التي تأخذ بعين الاعتبار تشريعات حقوق الإنسان المحلية والدولية.
إن الخلاصة التي توصل إليها المركز الوطني لحقوق الإنسان في تقريره، يجب أن تكون على جدول الأولويات للحكومة، ولمجلس النواب، فالمركز خلص في تقريره إلى أن "استمرار العمل بقانون محكمة أمن الدولة يشكل اعتداء على اختصاصات القضاء النظامي صاحب الولاية العامة، وخصوصا في ظل التوسع في اختصاصاتها، مع إدخال العديد من الجرائم التي كانت خاضعة أصلا لاختصاص المحاكم النظامية ونقلها إلى محكمة أمن الدولة".
كما خلص المركز إلى أن القضاء النظامي هو "صاحب الولاية العامة في النظر في سائر الجرائم، بغض النظر عن شخص مرتكبها"، داعيا إلى "إلغاء محكمة أمن الدولة ونيابتها العامة، ورد صلاحياتها إلى المحاكم النظامية، وإلى أن يتم هذا الأمر لا بد من تعديل قانونها بما يضمن إزالة الصبغة العسكرية عنها وتقليص اختصاصاتها".
إن المجتمع الديمقراطي الذي نصبو إليه، يحتاج فعلا إلى إصلاح شامل على صعيد القضاء، وبما يتجاوب مع توصيات المركز الوطني وغيره من منظمات المجتمع المدني، فالمركز يدعو إلى إنشاء محكمة دستورية هدفها النظر في كل القوانين التي تنطوي على شبهة مخالفة دستورية، وإصدار الأحكام بشأنها، إذ إن هذه المحكمة ستحد من القوانين المؤقتة التي دأب الكثير من الحكومات مؤخرا على إصدارها من دون داع، وعلى نحو مخالف للدستور الذي وضع شروطا دقيقة، منها وجود ظروف طارئة لا تحتمل التأجيل.
إن الإصلاح المنشود لا يمكن أن يتحقق، إذا تم التعامل معه بالقطعة، فالمفروض أن يكون الحوار الوطني الذي ستباشره الحكومة قريبا، شاملا، بحيث يتضمن قانوني الانتخابات والأحزاب، وسائر المعوقات التي تحول دون وجود مجتمع مدني ديمقراطي يشعر فيه المواطنون بالأمان والاستقرار.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة الراصد جريدة الغد