الحدث المصري شكل صدمة مدوّية في مسار ثورة الربيع العربي، ستنعكس آثارها على مستقبل تطورات الأوضاع العربية باجمال ، وستضع معالم جديدة أمام الأجيال الجديدة في كيفية التعامل مع حيثيات الإصلاح والتغيير الحتمي .
الحدث المصري ينبغي أن يشكل درسا بليغا لجميع الأطراف ولكل القوى السياسية الفاعلة، والمكونات الاجتماعية الكبيرة والصغيرة على حد سواء، من أجل امتلاك القدرة على رؤية الحقائق بوضوح وامتلاك القدرة على قراءة المشهد القائم ، وملامسة الواقع بعيدا عن افاق التنظير المجنح بالخيال .
نقطة البدء في هذا المسار الإصلاحي الطويل يجب أن تستند الى الإقرار الجمعي بضرورة الحفاظ على شعلة اليقظة الجماهيرية العارمة التي اشتعلت في العمق الشعبي العربي ، والتي أدت الى انطلاق قطار الإصلاح والتغيير، الذي يعبر عن أشواق العرب الملتهبة نحو الحرية والكرامة واحترام الارادة الشعبية الجمعية المتجهة نحو بناء الدولة المدنية الديموقراطية الحديثة.
القضية الثانية في هذا المسار التي ينبغي الالتفات اليها، تتمثل باتفاق جميع الأطراف على وصف المرحلة الراهنة وتشخيصها بطريقة صحيحة ، وهذا يقتضي القول إننا نعيش مرحلة انتقالية تفصل بين مرحلتين مختلفتين تماما الى حد التناقض، مرحلة الماضي القائمة على انظمة الاستبداد وحكم الفرد ، التي شكلت مجموعة معقدة من العلاقات النخبوية ، المرتبطة بمصالحها ومنهجية ادارتها ومنظومة قيمها التي ترسخت عبر عقود من الزمن ، ومرحلة المستقبل التي ينبغي أن تقوم على اعادة السلطة للشعوب ، وتمكينها من استعادة حقها في السيادة على ارضها ومقدراتها ومؤسساتها، ما يستوجب إعادة بناء الدولة والمؤسسات، وصياغة منظومة القيم الجديدة المتوائمة مع نمط الحكم الجديد، وهذا لن يتم فجأة بلمح البصر، بل يحتاج لوقت طويل ، وجهد كبير ، وتخطيط عميق ، وتعاون وثيق .
المرحلة الانتقالية تفرض على جميع الأطراف التوافق على مشروع اعادة بناء الدولة ، واعادة بناء المؤسسات ، واعادة بناء الانسان العربي ما يقتضي التوافق على شكل الدولة ،والتوافق على الدستور والتوافق على قواعد اللعبة السياسية ، قبل الانطلاق الى مرحلة التنافس الحزبي ومرحلة التنافس بين البرامج والافكار،وقبل الذهاب الى صناديق الاقتراع .
ولذلك من خلال نظرة سريعة على بداية الثورات الشعبية العربية نجد انها اتسمت بتوافق شعبي واسع على ضرورة التخلص من الانظمة الديكتاتورية المستبدة الفاسدة ، وانخرطوا جميعا في الثورة تحت لافتة هذه الغاية المؤقتة ، ولكن في المقابل لم تتمكن اطراف الثورة ومكوناتها من التوافق على مرحلة ما بعد اسقاط النظم السابقة ، بمعنى اكثر وضوحا ، لم تتوافق على شكل الدولة الجديدة ، ولم تتوافق على الدستورالجديد ، ولم تتفق على قواعد اللعبة السياسية الجديدة، فوقع الارتباك وساد الهرج والمرج في اوساط الثورة ، ووقع الخلاف وتعمق الانقسام بين مكوناتها ، ما شكل اعاقة كبيرة وواضحة امام انطلاق قطار الاصلاح ، وهيأ البيئة المناسبة امام عناصر النظام السابق التي ما زالت متغلغلة في مؤسسات الدولة العميقة ، التي استطاعت الاستثمار في هذا الخلاف، وتوظيف هذا الانقسام من اجل استيعاب زخم الثورة وابطال مفعولها .
نحن لسنا بصدد زيادة حدة الانقسام السياسي العميق، الذي ادى الى إيجاد انقسام مجتمعي حاد، واحداث اصطفاف عامودي وافقي في المجتمع ، يعرقل مسار الإصلاح والتغيير ، ولكن نحن بصدد الحث على بذل الجهود في تصحيح المسار واصلاح الأخطاء بما يضمن استمرار تقدم المشروع الإصلاحي الكبير، ما يحتم علينا الانصياع الى مقتضيات المرحلة الانتقالية التي تقتضي صياغة العقد الاجتماعي التوافقي ، بهدوء وتدرج ، وتغليب منهج التسامح والتغافر بعيدا عن التخندق في الموافق ، والتصلب في الآراء ، كما ينبغي عدم حرق المراحل وعدم القفز عن الاولويات .
في المرحلة الانتقالية ومرحلة الثورة هناك مشروع واحد لنا جميعا فوق كل المشاريع السياسية الجزئية والحزبية والفئوية ، مهما اختلفنا في الآراء والمذاهب والافكار ، هو مشروع بناء الدولة وبناء المؤسسات والتوافق على الدستور والتشريعات الاساسية ، ومشروع اعادة منظومة قوى الدولة في اتجاه واحد؛ الجيش والأجهزة الأمنية ، والقضاء ، والسياسية الخارجية والداخلية والأحزاب كلها تحت لافتة سيادية واحدة بلا تناقض او تصادم .
هذه المرحلة ليست مرحلة مشاريع حزبية ، فهذه مرحلة متأخرة لم نصل اليها بعد ، وما زال امامنا وقت طويل للوصول الى تمهيد الأجواء لمرحلة التنافس بين الأحزاب والقوى السياسية والخضوع لمنطق الغالبية عبر صناديق الاقتراع ، وهي مرحلة قادمة بكل تأكيد ، بعد اجراء عملية تغيير منهجي تربوي للأجيال ، وتغيير اجتماعي متدرج للشعوب .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة الدكتور رحيل محمد الغرايبة جريدة الدستور