شعرنة وقهقهة
الكاتب : ناصر غريب: عرعر
شهد الشعر العربي تطوراً وتجديداً في الأغراض الشعرية ولاسيما في العصر العباسي نتيجة لما اتسمت به الحياة من الثراء والترف والنعيم, فاجتمع الشعراء والندماء في مجالس الخلفاء وعلية القوم (والتي لا تخلو من قرع الكؤوس) كما يقول في ذلك ابن الرومي:
أباح العراقي النبيذ وشربه
وقال حرامان: المدامة والسكرُ
وكانت هذه المجالس لا تخلو من النادرة والشاردة والواردة والطرفة المليحة التي يتفكه بها الخلفاء والظرفاء, وهذا اللون من الأدب الساخر والمليء بالطرافة والنكتة (شعر الفكاهة) من الأغراض الشعرية التي حظي بها ديوان العرب.
ومن الشعراء الذين اشتهروا بالفكاهة والطرائف الشاعر (أبو دلامة) الذي يروى عنه أنه دخل على المهدي في مجلسه وعنده إسماعيل بن محمد وعيسى بن موسى والعباس بن محمد، فقال له المهدي أنا أعطيت الله عهداً لئن لم تهج واحداً ممن في البيت لأقطعن لسانك، فنظر إليه الحاضرون وكلما نظر إلى واحد منهم غمزه بأن عليه رضاه، فقال أبو دلامة: فعلمت أني قد وقعت ولم أر أحداً أحق بالهجاء مني، فقلت:
ألا أبلغ لديك أبا دلامة
فليس من الكرام ولا كرامة
إذا لبس العمامة صار قرداً
وخنزيراً إذا نزع العمامة
جمعت دمامة وجمعت لؤماً
كذاك اللؤم يتبعه الدمامة
فإن تك قد أصبت نعيم دنيا
فلا تفرح فقد دنت القيامة
فضحك الجميع وخرج (أبو دلامة) من ذلك الموقف بذكائه وفطنته وأمر له المهدي بجائزة.
ومن ذلك ما قاله بشار بن برد على لسان حماره:
سيدي مل بعناني
نحو باب الأصبهاني
إن بالباب أتاناً
فضلت كل أتانِ
تيمتني يوم رحنا
بثناياها الحسانِ
تيمتني ببنانٍ
وبدلٍّ قد شجاني
وبحسنٍ ودلالٍ
سلّ جسمي وبراني
ولها خد أسيلُ
مثل خد الشيفرانِ
فبها متُّ ولو عشتُ
إذن طال هواني
وقد قال لرفاقه إنه رأى حماره الذي مات في المنام وسأله عن سبب موته، فأفاد بأنه حينما كان راكباً إياه ومر بباب الأصبهاني عشق أتاناً وزعم أنه قال فيها تلك الأبيات، فسأله أحد جلسائه: ما الشيفران؟ قال: ما يدريني هذه لغة الحمير, فإذا رأيتم حماراً فاسألوه.
ومن طرائف شعر الفكاهة في العصر الحديث معارضة الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان قصيدة أحمد شوقي المشهورة:
قم للمعلم وفّه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا
يقول إبراهيم طوقان:
شوقي يقول وما درى بمصيبتي
قم للمعلم وفّه التبجيلا
ويكاد يفلقني الأمير بقوله
كاد المعلم أن يكون رسولا
لو جرب التدريس شوقي ساعة
لرأى الحياة شقاوة وخمولا
أقعد فديتك هل يكون مبجلا
من كان للنشء الصغير خليلا
حسب المعلم ذلة ومهانة
حمل الدفاتر بكرة وأصيلا
مئة على مئة إذا هي صححت
وجد العمى نحو العيون سبيلا
فأنا أصحح غلطة نحوية
مثلاً واتخذ الكتاب دليلا
مسترشداً بالغر من آياته
أو بالحديث مفصلاً تفصيلا
وأكاد أبعث سيبويه من الثرى
وذويه من أهل العصور الأولى
وترى حماراً بعد هذا كله
رفع المضاف إليه والمفعولا
لا تعجبوا إن صحت يوماً صيحة
ووقعت ما بين البنوك قتيلا
يا من يريد الانتحار وجدته
إن المعلم لا يعيش طويلا
ولعلنا نختم هذا المقال بقصيدة للشاعر اللبناني أسعد رستم وهو يصف رأس صديقه الأصلع:
لصديقنا في رأسه صحراء
جفت فلا عشب بها أو ماء
وكأنها الميدان من بعد الوغى
فني الجميع فما بها أحياء
إلى أن يقول:
إن زال شعرك وابتليت بصلعة
فالآن فيك نباهة وذكاء
فأجاب لا شرف أريد ولا عُلا
هلا لديكم للشعور دواء
المراجع
www.arabicmagazine.com/arabic/ArticleDetails.aspx?Id=1840موسوعة الأبحاث العلمية
التصانيف
الأبحاث