لماذا عدت مرة أخرى يا عيد؟ فقد قفلنا على هواجسنا ، وآلامنا وأحزاننا بألف قفل ، وها قد عدت لتكسرها قفلاً قفلاً.
عدت لتذكر العبد الفقير بالوعد الذي قطعه على نفسه ، أطفاله سيلبسون الجديد في العيد القادم ، وسيخرجون في رحلة إلى حديقة عامة ، ها قد عدت وأطفاله ما زالوا يلبسون القديم ، ولا يملك أجرة الباص للذهاب إلى أي مكان ، فكل شيء ارتفع سعره منذ العيد الماضي. في هذا العيد لن يقطع أي وعد فقد استسلم لواقعه.
عدت يا عيد لتذكرنا بأحبابنا الذين فقدناهم صباح ذلك اليوم ، وبكيناهم بمرارة مرات ومرات ، حتى جف دمعنا ، وقلنا أخيرا"لن نبكي" ، عدت حتى نبكيهم من جديد كما بكيناهم ذلك الصباح.
عدت لتذكرنا بالدعوات الصادقة التي دعَوناها على عدوّ خمسين عاماً في صلواتنا ، ودعَونا بحرارة أن نصلي في المسجد الأقصى في العيد القادم محرراً ، ولكن المسجد لم يحرر ، ونخشى في عيدْ قادمْ أن لا يكون المسجد الأقصى موجوداً أصلا.
عدت لتذكرنا بأوطان جديدة التي احتُلت ، وإخوانْ يرزحون تحت الاحتلال والقتل والذل والهوان ، إخواننا الذين نفيناهم إلى أقصى الذاكرة حيث لا عين ترى ولا قلب يحزن ، فلا نذكرهم إلا من باب رفع العتب والتقاليد ولوازم العيد.
عدت لتذكرنا بفرقة العالم العربي وتشرذمه ، وزيادة ضعفه ، فاجتماعاتنا باهتة ، وقراراتنا لا تتجاوز الإعلام المحلي ، ووزننا بين الأمم قد يكون الأدنى.
في هذا العيد لن ألبس الجديد ، ولن أبعث الرسائل ، ولن أعيّد على أحد ، سأضع رأسي تحت الوسادة ، وأغطي جسمي بغطاء سميك لعله يمر بسرعة ولا يشعر بي.
وكل عام وانتم بخير.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور