كالهشيم في النار يتبادل الناس عبر بريدهم الالكتروني رسالة الكترونية تحت عنوان "قائمة العار". تحمل الرسالة ما يزيد قليلا عن ثلاثين كاتبا نشرت وزارة الخارجية الإسرائيلية على موقعها الإلكتروني مقالاتهم التي وصفت بأنها معادية لحماس ، وأن هؤلاء الكتاب حمّلوا حماس وإيران مسؤولية المجازر الإسرائيلة بحق سكان غزة. وحتى تحقق إسرائيل هدفها من هذا الادعاء ، قالت ليفني بخبث ان هؤلاء هم سفراء إسرائيل لدى العالم العربي ، وأفضل من يوصل وجهة النظر الإسرائيلية إلى الشارع العربي بخصوص حركة حماس.

ومثل ملايين العرب الذين يتحمسون لأية شائعة ، وإن كان من شأنها اغتيال الشخصيات المعروفة ، فإنني بدوري أرسلت الرسالة إلى أصدقائي ، وهاجمت هؤلاء الكتاب في المجالس متباهيا بأن لدي تفاصيل الموضوع ، ولكن بعد البحث وتصفح موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية والدخول إلى المقالات ، وجدت فرقاً شاسعاً بين الحقيقة والشائعة. فعدد المقالات التي نشرت إبان الهجمة البربرية على أهلنا في القطاع كان فقط مقالين أحدهما يقول صاحبه "توجد أصابع إيرانية خفية وراء هذه الحرب حتى تتفرغ إيران لبرنامجها النووي" ، وبالطبع يحمل هذا المقال فكرة ضحلة تفتقر إلى الدليل. والمقال الآخر يقول ان سلاح حماس هو إيراني ، وهذا لو كان صحيحا فإنه لا يعيب حماس ، فحالة الحرب وما فيها من حصار وتجويع وعدوان تحتم على حماس التعامل أحيانا مع جهات قد تختلف معها أيديولوجياً.

أما المقالات الأخرى فهي مقالات قديمة نسبياً لكتاب ومثقفين عرب لا يمكن الطعن بوطنية معظمهم ، فالدكتور فيصل القاسم كتب مقالاً في "كل العرب" بتاريخ 8 ـ 11 ـ 2007 ينصح فيه الزعماء العرب أن يتعلموا الشفافية من العدو في سياق تصريح اولمرت للإسرائيليين عن وضعه الصحي ، وبتاريخ 26 ـ 5 ـ 2008 ، نشر محمد الماجد مقالا في الشرق الأوسط قال فيه "قوة اسرائيل وتفوقهم ليسا بسبب ترسانتهم العسكرية الرهيبة بل هذا التفوق العسكري جاء نتيجة وليس سببا ، فلولا أن لدى الإسرائليين هذا الحس الحضارى والشفافية الواضحة في محاسبة المسؤولين وملاحقتهم قضائيا لما وصلوا إلى ما وصلوا اليه ، ولا يوجد لدى الإسرائيليين الكليشيه العربية الشهيرة (الظروف الدقيقة ، المرحلة الحساسة ، أو تكالب الخصوم) لإعفاء المسؤولين من تهم الفساد". ويتساءل خليل حيدر في مقال نشر في الوطن بتاريخ 10 ـ 6 ـ 2008 لماذا تقدمت اسرائيل وتأخرت دول الخليج رغم إمكاناتهم المادية الهائلة.

من الواضح أن الأمثلة السابقة هي لمقالات تنويرية يقصد بها الكاتب استفزاز القارئ وأصحاب القرار عبر المفارقة والتهكم ، وهذا أمر لا يعيبه أحد ولا يفهم بأي شكل من الأشكال على أنه دعاية للعدو أو تسويق له. الأمر الآخر الذي لاحظته هو أن الموقع نشر لكل من المقالات تلخيصاً غالباً ما يكون خارجاً عن سياق المقال نفسه ، وقد لا توجد علاقة للتلخيص بالمقال أصلا ، فهناك مقال للكاتب محمود عبد الغني المنشور بالأهرام بتاريخ 29 ـ 1 ـ 2009 ، يقول ان اسرائيل استغلت مرحلة الانتقال بالرئاسة الأمريكية لضرب غزة ، ويدعو إلى وحدة الصف الفلسطيني ، أما التلخيص فيقول ان إيران تتآمر على القضية الفلسطينية وهذا أمر لم يتطرق له الكاتب في مقاله أصلا.

لقد تولدت لدي قناعة أن هؤلاء المثقفين هم ضحية للتشهير ومحاولة سلخهم عن مجتمعاتهم العربية ونزع صفة المصداقية عنهم ، مما قد يولد لديهم ردة فعل إيجابية تجاه العدو في وجود إغراءات معروفة لشراء الأقلام وتحويلها إلى أبواق.

وكلنا يعرف إتقان الصهاينة للعبة الإعلام والكذب العلني ، فها هي ليفني بكل إصرار تخرج على وسائل الإعلام وتقول بالفم الملآن ان جيشها يفرق بين حماس والمدنيين ، فيما تدك القنابل الفسفورية الأحياء السكنية. ولعل هذه العبارة كفيلة بتأهيل مقالي للنشر على الموقع إياه لأنني أدعو إلى مذاكرة الدروس والعبر من الجولات الصهيونية في المعركة الإعلامية التي تتخذ من العالم بأسره أرضاً لها.

المهم هو أننا كجماهير عربية يجب أن نتعود على سماع وجهات نظر مخالفة للرأي العام ، وأي وجهة نظر مختلفة لا تعني أن صاحبها عميل ، بل العكس تماما ، فالآراء المتعددة تثري أي موضوع ، وتساعد أي مطلع على تكوين رأي خاص به حول أي قضية ، والنقد يعطي المسؤول الفرصة لإعادة مراجعة حساباته وقد ينبهه إلى أمور غابت عن ذهنه ، وذلك مصداقاً للقول المشهور المغيب عن عالمنا "صديقي من أهدى إلي عيوبي".

ومن المفروض أن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية ، علماً بأن النتيجة الحتمية التي يصل إليها أي باحث هي أن مقالات معظم الكتاب المذكورين لا تعبر عن رأي الأعداء وإن تقاطعت معه أحياناً ، وياحبذا لو حصلنا على بعض ردود الفعل من هؤلاء الكتاب حول هذه القضية ، فهل نصل إلى مرحلة من السمو في حرية الرأي التي عبر عنها فولتير بقوله "إني أخالفك الرأي ، ولكني مستعد للدفاع حتى الموت عن حقك في إبدائه".

فرحمة أيها الناس بمثقفينا.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   اسماعيل الشريف   جريدة الدستور