عندما ظهرت "سوزان بويل" على مسرح مسابقة المواهب في بريطانيا بملابسها الباهتة وتسريحة شعرها البعيدة عن الموضة ، وشكلها "العادي جدا" ، وطريقتها البسيطة والعفوية غير المضحكة في الإجابة عن أسئلة اللجنة ، كانت مصدر سخرية وتهكم للجنة وللجمهور على السواء. سوزان لم تغن في حياتها بشكل محترف ، لسبب انها كرست حياتها للعناية بوالدتها ، وعندما بلغت السابعة والأربعين كانت مقتنعة أن أي فرصة لها للنجومية قد ذهبت أدراج الرياح ، ولكنها عندما بدأت بالغناء أذهلت اللجنة والجمهور ، وتحولت في لحظة إلى بطلة قومية تتهافت عليها شركات الإنتاج ، وبرامج التلفاز الشهيرة لاستضافتها ، وأصبحت محط إعجاب لملايين الإنجليز ، واعتذر أعضاء لجنة التحكيم علانية على طريقة تعاملهم مع سوزان عندما اعتلت المسرح.

يقول "ايزوب" إن المظاهر كثيراً ما تخدع ، ولكننا في هذا العصر الاستهلاكي نحكم فقط على الإنسان من مظهره ، أو ماله وجاهه وسلطته ، بينما لا نكلف أنفسنا للغوص قليلاً في الشخص قبل الحكم عليه.

وأسوق مثلاً أكثر جدية في "ستيفن هوكنج" ، فلو أن أحدا قابله دون أن يعرفه سيتجاهله تماما ، هذا إن لم ينظر إليه نظره دونية. فهو على كرسي متحرك ، مصاب بمرض ضمور العضلات ، وهو بدون حاسوبه الذي يعمل بالنظرات لا يقدر على الكلام ، ستيفن هذا يعتبر أحد أعظم العقول البشرية على مر العصور ، فهو من وضع العديد من النظريات حول بداية الكون وعن الثقوب السوداء ، وألف العديد من الأعمال أهمها "موجز في تاريخ المكان" الذي حازعلى لقب أفضل المبيعات ، و"الكون الطفل وثلاثمائة عام من الجاذبية" ، إضافة إلى العديد من المقالات والمحاضرات رفيعة المستوى التي تركت أثرها في تاريخ الحضارة الإنسانية.

أما في وطننا الحبيب ، فها هي "مي" ذات الوجه الملائكي والأطراف الغاية في الدقة ، تجوب الكواليس بحماسة ونشاط وتبذل جهداً مضاعفاً لتتمكن من اللحاق بصويحباتها اللواتي في عمر الزهور وهن يترقبن من المدربة الإشارة لاعتلاء المسرح. إنها راقصة الباليه الصغيرة التي أجبرت جسدها ذا الإمكانيات المتواضعة على أداء الرقصات برشاقة وعزيمة ، فأصبحت مصدر إلهام لأصحاء الجسد ومن هم دون ذلك على حد سواء،.

يصب مشروع جلالة الملكة رانيا العبدالله الريادي "أهل الهمة" في نفس الإطار ، وهو تقديم أبطال للمجتمع لا لشكلهم ولا لمالهم ولا لتنفذهم السياسي ، وإنما لما يقدمونه من خير وعطاء لمجتمعهم ، وفي هذا الإطار تقول جلالتها "في حياتنا كثير من الأبطال. قد لا يكونون خارقين بقدراتهم الجسدية لكنهم دون شك خارقون بتفانيهم لفعل الخير ، بهمتهم وحسهم العالي بالمسؤولية. هم من يستثمرون وقتهم وجهدهم في تحسين أوضاع غيرهم ، قنوعون بما لديهم وهم كنزنا الذي لا يفنى".

طالعنا في الصحف أسماء وحكايات هؤلاء الأبطال المرشحين ليكونوا أهل الهمة. إنهم أشخاص عاديون نلتقي بهم يوميا. في هذه المسابقة لا مجال لمنافسة المال والشكل والسلطان ، فالوزن الحقيقي هو لأعمالهم العظيمة في مجتمعاتهم ، ورسمهم البسمة على شفاه الناس ، ونثر روح المحبة ، دونما انتظار لعبارات الشكر والتقدير.

في هذه المسابقة ليس مهماً من يفوز ، ولن يشعر المرشحون بالضغوط التي تفرضها المسابقات الأخرى ، فالقائمة كلها فائزة بأجر وثواب من الله تعالى ، ودعوات من الناس ، ويكفيهم فخراً الآثار الحسنة التي يتركونها في مجتمعهم. يقول الرسول الكريم في حديث قدسي "ان لله مفاتيح للخير ، مغاليق للشر ، فطوبى لمن جعلت الخير على يديه".ھ


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   اسماعيل الشريف   جريدة الدستور