يمثـّـل "باولو كويلهو" ظاهرة أدبية فريدة ، فهو روائي برازيلي يكتب بأسلوب بسيط سلس ، يركـّـز في رواياته على التفاعلات البشرية وتأثير القوى الخارجة عن الطبيعة على البشر ، ويتطرّق إلى الدين وتأثيره على السلوك البشري والعلاقات المعقدة بين البشر ، وتحظى رواياته بإقبال عالمي جارف ، وهو أحد النماذج الحية القليلة لتحوّل شخص معدم بفضل قلمه إلى كاتب ناجح فاحش الثراء ، ولكنه دائماً على صلة مع تمرده وتنعكس صعلكته في كتاباته.

في روايته "كالنهر يجري" ، يروي باولو قصة صينية حدثت قبل 250 عاما من ميلاد السيد المسيح ، تقول القصة ، إن القانون كان يفرض على الأمير قبل أن يتوّج امبراطوراً أن يتزوّج من فتاة يستطيع منحها ثقته المطلقة العمياء ، فطرح مسابقة بسيطة مفادها أن يعطي كل فتاة متقدّمة لهذه المسابقة بذره ، والفتاة التي تأتي بعد ستة أشهر حامله أجمل زهرة من البذرة المعاطة لها تصبح امبراطورة الصين المقبلة.

من ضمن المتقدّمات كانت فتاة فقيرة تكن للأمير حباً كبيراً ، أخذت الفتاة بذرتها وزرعتها واعتنت بها برموش عينيها ، إلاّ أنه بعد ثلاثة أشهر لم ينمُ شيء ، فاستشارت الفلاحين وأعطوها كافة أسرار وفنون الزراعة وطبّقت كل ما تعلمته على بذرتها.

مضت الستة أشهر إلاّ أنه لم ينمُ شيء ، ومع هذا ذهبت إلى البلاط الإمبراطوري في اليوم والساعة المحددين حاملة أصيصها فهذه المرة الأخيرة التي سترى حبيبها ، دخل الأمير واستعرض كافة الأصاصيص التي حملت أجمل الزهور إلاّ أصيص بطلة القصة الذي لم ينمُ فيه شيء ، وجاءت لحظة النتيجة وأعلن الأمير عن قراره ، وكان قراره مفاجئاً لجميع الحضور فقد اختار صاحبة الاصيص الفارغ لتكون الامبراطورة المنتظرة وسط استغراب واحتجاج الحضور فكيف يختار من لم ينمُ في أصيصها شيء ، عند ذلك فسّر الأمير قراره قائلاً "هي وحدها التي زرعت زهرة الشرف ، فكل البذور التي وزعتها كانت عقيمة ولا يمكنها أن تنمو بأية طريقة".

في كل عام تصدر الأمم المتحدة تقريراً يبيّن الفساد ، الرشاوى ، والسرقات والشفافية المستشرية في بلاد العالم ، في تقرير عام 2007 كانت أفضل ثلاث دول هي الدنمارك ، فنلندا ونيوزلنده على التوالي ، أما بالنسبة للدول العربية والإسلامية فقد تقدمتها دولة قطر في المركز الثالث والثلاثين وتلتها دولة الإمارات العربية المتحدة ، الشيء المحبط هو أن محتلة الأوطان وقاتلة الأطفال دولة الصهاينة جاءت في المركز الثلاثين متقدّمة على كافة الدول العربية والإسلامية.

هذا يضعنا أمام معضلة كبيرة ، فالشعوب الإسلامية بشكل عام هي الأكثر تديّناً والتزاماً ، ففي دراسة أخرى جاءت مصر في المركز الأول بين دول العالم من ناحية التديّن واحتلت معظم الدول العربية والإسلامية المراكز المتقدّمة في تلك الدراسة.

وهذا مؤسف حقاً في أمة اثنى العلي القدير على أخلاق نبيّها ، ووصلت إلى أقطاب الأرض بسبب أمانة ونزاهة أبنائها.

أما في هذا الزمن ، فقد اختزل الدين لدى كثير من الأفراد إلى طقوس وخطب واتسع الضمير ليتعايش مع الخيانة والسرقة والرشوة وسوء الخلق بكل طمأنينة وأحياناً أخرى ببجاحة ، أن مجتمعاتنا تغص بأناس أحدثت ألفة المعصية والمفاهيم المغلوطة لديهم هوّة تركت العقيدة والعبادة في جانب ، والسلوك والأخلاق في جانب مقابل ، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإننا نجد العديد من السارقين والمرتشين بين نجوم المجتمع يلبسون أجمل الثياب ويركبون أفخم السيارات ، ويحسب لهم ألف حساب ، وتفتح لهم الأبواب ، ويجلسون في صدر المجالس ، ونسمع لكلامهم وكلنا آذان صاغية لعلنا نستفيد من نفوذهم ونتعلم من تجربتهم في الحياة.

ولكن يا إخواني الأعزّاء لو فكـّـرنا قليلاً وتحدثنا فسنجد أن هذا الإنسان بداخل السيارة وعلى الكرسي وتحت الهالة مجرّد لص ، فلو سرقت ثمرة فأنت مجرد لص ولو سرقت مليون دينار فأنت مجرد لص ، وكما يقال من يسرق بيضة يسرق جملاً.

لذلك يجب أن نسمّي الأشياء بأسمائها وأن نحاسب ونعامل هؤلاء الأشخاص على أنهم لصوص تحقيقاً لقول رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) "إنما هلكَ الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرقَ فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   اسماعيل الشريف   جريدة الدستور