ما أجملك يا رمضان ، شهر مختلف عن كافة الأشهر ، يقلب حياتنا رأسا على عقب ، يقتل الروتين الذي نعيشه ، ويجعلنا نهتم بتفاصيل لا نتوقف عندها عادة ، ففي رمضان فقط ننظر إلى أعلى لنرى القمر في حجمه المتواضع لا بكامل نوره وبهائه ، وفي رمضان فقط نعرف بالدقيقة مواعيد الصلاة وبخاصة الفجر والمغرب ، وفي رمضان تسمو الروح وتتسامر مع خالقها.

ومع جوعنا وبطء عمل أجهزتنا تقوى روحنا ، ويحاول الإنسان المصالحه مع نفسه ومن ثم مع الآخرين فتزيد صلة الأرحام وزيارة الأصحاب ونسعى في الصفح عن صديق قديم أساء. يأتي رمضان وفي جعبته الخير ، فهو شهر الخير والبركات. للبعض هذا من باب لوازم حديث رمضان ، وللسواد فهو جوهر ما يعنيه الشهر إليهم ، وقد ينتظرونه طيلة العام ويحلمون بما قد يحمله إليهم. في رمضان يُخرج معظم الأغنياء زكاتهم ، وينتظر الفقراء لعل أحد الأغنياء يطرق بابه أو لعل أحد الصحف تصور وضعه المأساوي فيتعاطف معه الناس. ففي رمضان قد تنقلب حياة البعض...

سأحدثكم بقصة تحدث في رمضان ، أؤكد لكم أنها ليست ضربا من الخيال. سأحدثكم بقصة صديقي (ع) الذي انقلبت حياته رأساً على عقب. صديقي هذا موظف بسيط يعيل بالإضافة الى عائلته ، عائلة أخته الأرملة وعائله أخيه المشلول ، وأشهد بأنه لم يمد يده من أجل عائلته ، وإنما كان يدق الأبواب ليساعد أبناء إخوته في أقساط الجامعة أو لتوفير فرصة عمل بسيطة لأحدهم ليساهم في إعالة أسرته. قبل أيام اتصل صديقي طالباً لقائي لأمر هام ، وعندما التقيته حدثني بما حدَث معه: كان في طريقه إلى عمله في عمان من قريته ، وكآلاف الموظفين الذين لا يملكون ثمن أجرة الباص وقف على قارعة الطريق ينتظر سيارة لعل سائقها يشفق عليه ويقلّه ، وفعلاً وقفت سيارة فارهة وأشار له السائق بالركوب ، وخلال الرحله التي امتدت لأكثر من ساعة تجاذبت أرواح الشخصين ، وعندما وصل صديقي إلى عمله وهمّ بالنزول ، قال له صاحب السيارة: تمنَّ وأي شيء تتمناه سأحققه لك. أجابه صديقي بطيبته المعهوده: لا أريد أي شيء لي ، فأنا في نهاية الشهر يبقى قليل من الحليب لأولادي ولكن الكثيرين في قريتي لا يستطيعون توفير حليب لأطفالهم طوال الشهر. نزل صاحب السيارة وفتح شنطة السيارة وسلمه حقيبة ، قال له إن فيها نقوداً ولكن اشترط عليه أن لا يأخذ أي دينار منها وإنما يوزعها كاملة على فقراء قريته. عدّ صديقي المبلغ فوجده مائة وثمانون ألف دينار، قال لي إنه أصعب موقف في حياته ، فالمال أمامه ولا يستطيع مدّ يده إليه ، وذكرني بقول الشاعر مسكين الرومي

أعُفُّ لدى عسري وأبدي تجملاً

ولا خيرَ فيمن لا يعُفُّ لدى العسر


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   اسماعيل الشريف   جريدة الدستور