رب يوم بكيت منه فلما

صرت في غيره بكيت عليه

"الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه"

أذكر عندما كنت صغيراً كانت الحياة رتيبة ، وكان أبي رحمه الله ينام فترة العصر ، ويزور الأصدقاء ، ويمارس دور الأبوة علينا ، وكنا نعرف جيراننا ، وكنا نجلس ونتحدث ونناقش ، أما الآن فالوقت يركض ، وما أن نبدأ يومنا حتى ينتهي ، وكل وقتنا لعملنا ، ولا شيء إلا العمل. كأنه أمس يوم اجتمعنا في نهايات عام 1999 لمناقشة الكارثة التي ستحل على العالم مع بدء الألفية الثانية ، لأن أجهزة الحاسوب لن تعمل حيث أنها مبرمجة حتى عام 1999 ، وانقضى ذلك اليوم ولم يحدث شيء وانكشفت المؤامرة من صانعي الحاسوب لتحديث الأجهزة والبرامج بحجة التوافق مع القرن الجديد.

هل تصدقون أن العقد الأول من الألفية الثانية قد انتهى بهذه السرعة ، ومر كلحظة ، ولكنها كانت ثقيلة علينا ، ولعلها أصعب عشرة أعوام على أمتنا ، فبعد زلزال عام 2001 ، تعرضت الأمة الإسلامية لهجمة شرسة ، وأصبح الإسلام هو العدو الجديد للغرب ، وأصبح ديننا رمزاً للإرهاب والتطرف ، وبحجة الحرب على الإرهاب تم احتلال العراق ونهبت خيراته ، وترك بلداً تمزقه الفتن الطائفية.

وفي فلسطين سقط مفهوم السلام العادل ، وشنت إسرائيل العديد من العمليات ضد الشعب الفلسطيني ، وقصفت غزة على مدار شهر بتوافق عربي ، وبني جدار الفصل العنصري الذي أمّنّا مواده ومن ثم باشرنا ببناء جدار أقسى واشد ، وانتهى حلم القدس كعاصمة للدولة الفلسطينية ، وبنيت آلاف وحدات الاستيطان. وبعد عام من الصمود الأسطوري لأبطال غزة لا يزالون يعيشون تحت النجوم تفتك بأطفالهم الأمراض والجوع داخل سجن كبير مفتاحه معنا.

وفي هذا العقد دفن النظام العربي ، وأثبتت الأنظمة العربية فشلها في قيادة شعوبها نحو مستقبل أفضل ، وتراجعت الحريات وحورًبَ الدين صراحة ، ومُنع الحجاب ، وتقاتل ما يسمى بالأخوة ، وشُهدَ تدهورّ في حقوق الإنسان.

في هذا العقد تم تعذيب أبنائنا في سجون شتى في أنحاء العالم من سجن أبوغريب إلى سجون غوانتانامو إلى سجون أخرى لا نعرف لها مكاناً أو اسماً ، وهوجم نبينا وحرق قرآننا مرات ومرات.

لقد كان هذا العقد عقداً عاصفاً متقلباً ، بدأ بانهيار شركات التكنولوجيا في بدايته إلى انتعاش غير مسبوق إلى انهيار اقتصادي في نهايته ، وتذبذبت أسعار النفط من 25 دولاراً إلى مئة وخمسين دولاراً ، وفيه تم فك الشيفرة الوراثية ، وتحديد عمر واتساع وألوان الكون ، ووصول أول مركبة على سطح المريخ ، وفيه ظهرت مواقع على الشبكة العنكبوتية غيرت من حياة البشر ، وأصبح للجميع بريد إلكتروني ، وأصبح كل شيء رقميا ، وفيه وصل أول أمريكي أسود للحكم ، وأول امرأة كمستشارة في ألمانيا.

أما نحن العرب فلم يكن لنا أي دور في هذا العقد ، ولم تكن لنا أية بصمة سوى على شعوبنا ، ولم نقدم شيئاً للبشرية في أي مجال سوى ازدياد السمنة ، وزيادة الاستهلاك.

وندخل العقد الجديد وكلنا إحباطّ ، وخوفّ من القادم مرددين قول المتنبي:.

قبحاً لوجهك يا زمان فانه

وجه له من كل قبح برقع

ولعل الشيء الوحيد الذي تعلمناه أن عدونا نمرّ من ورق ان وجدت الارادة ، وإن كنا مستعدين أن ندفع الثمن لمواقف العزة والكرامة كما شاهدنا في غزة ولبنان .

وكل عام وأنتم بخير.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   اسماعيل الشريف   جريدة الدستور