"لو لم أكن ملكاً لكنت معلماً". الملك فيصل الأول.
عندما كان أهلنا يسوقوننا إلى المدارس ، كنا نسمعهم يهمسون في آذان معلمينا: "لكم اللحم ولنا العظم" ، وقتها لم نفهم معنى ذلك ، ولكنه كان يترجم على جنوبنا ، وكنا نسمع عبارات مثل "جدول الضرب لا يحفظ إلا بالضرب" ، وفعلاً حفظناه على إيقاع خيزرانات معلمينا وشباشب والدينا ، ولكننا برأيي خرجنا إلى الحياة أناساً طبيعيين عاديّين لا يظهر علينا أي من ممارسات العقاب البدني الذي مورس علينا ، إنما نتذكره بشيء من الضحك وبحنين جارف إلى تلك الأيام.
كان ذلك قديماً ، أمّا الآن فوسائل التربية التي تسمى حديثة لا تقبل الضرب كوسيلة لتوجيه السلوك ، خاصة وأن الأردن قد وقع على اتفاقيات حقوق الطفل من خلال المنظمات الدولية التي تحتم حماية الطفل من كافة أشكال العنف الجسدي واتخاذها لكافة التدابير المناسبة لتحقيق ذلك.
فكانت النتيجة أن تغيرت الأنظمة والتعليمات والقوانين ، ومنع الضرب في المدارس ، وبرزت عدة مبادرات وحملات وطنية كان آخرها "معاً نحو بيئة آمنة" ، هذه المبادرة تفرض إجراءات بديلة للتوجيه والعقاب من خلال مجموعة من الخطوات يتبعها المعلم في معالجة سلوك غير مرغوب ، تبدأ بسحب المعلم من جيبه بطاقة صفراء (بدلاً من العصا) يبرزها في وجه الطالب ، ويسأل المعلم الطالب عمّا فعل ويستمع إليه ، ومن ثم يشرك الصف في مناقشة المشكلة وأسبابها ، وما يتطلب من إجراءات لحلها ومنع حدوثها مستقبلاً ، وأخيراً يتخذ المعلم إجراءات غير عنيفة سواء مع الطالب أو الصف. البقية ص 45
الزمن يتغير وهذا أمر مفهوم ومقبول ، فما كان سائداً في الماضي أصبح غير مقبول الآن ، ومع قناعتي بضرورة وقف العنف الذي يمارسه بعض المعلمين تجاه طلابهم إلا أنني أعتقد بأن تطبيق المفاهيم الجديدة يجب أن يتم تدريجياً ، أي يبدأ في الصفوف الدنيا وينتقل إلى الصفوف العليا ، كذلك فإن اختصار العنف الجسدي واختزاله في موضوع العقاب البدني الذي يمارسه المعلم بحق طلبته لأمر خاطىء وخطير وغير عادل لأنه لا يشمل كل أشكال العنف المدرسي.
فهنالك أشكال للعنف أخطر بكثير من ضرب المعلم لطلابه ، ويأتي على رأسها "التنمر" ، وهو تعرض الطالب لسلوك عدواني على يد أقرانه ، من هجوم لفظي وجسدي وجنسي وتخويف واستهزاء وتعصب وإغاظة وتعليقات ، ويترك هذا عادة آثاراً نفسية خطيرة على الطالب ، فيؤدي إلى الاكتئاب وتدهور الأداء واضطرابات نفسية شديدة ستؤثر حتماً في بناء شخصيته وسلوكه وتحصيله ، وعادة ما يخفي الطلبة هذا الأمر عن ذويهم خوفاً أو خجلاً ، وللأسف لا يؤخذ بجدية من قبل الأهل أو الجهاز التعليمي إذا ما اكتشف ، لذلك فإن هذا الشكل الخطير من العنف المدرسي يجب أن يواجه بإجراءات حاسمة ، من تركيب كاميرات مراقبة وخط ساخن للشكاوى وتوفير مرشدين نفسيين للطلبة وتوعية الطلاب والمعلمين والإدارة والأهالي.
والأمر الآخر الهام هو اعتداء الطلبة وذويهم على المعلمين ، وهذه ظاهرة آخذة بالتزايد ، وتحل عادة بفنجان قهوة واعتذار وجاهة ، ويعود بعدها المعلم إلى صفه وقد نزعت هيبته وحطمت نفسيته ، وهذا من الأمور التي يجب أن لا تمر مرور الكرام أبداً ، فالاعتداء على المعلم جريمة ويجب أن تعامل على هذا الأساس ، لذلك يجب تغليظ العقوبات وإلزام الطالب المسيء بتقديم خدمة اجتماعية أو تنزيله من صفه أو حتى وضعه في نزل مخصص لمثل هذه الجرائم.
لقد ذاق المعلم الأمرين فوقف بين مطرقة الأجيال التي تتلمذت في مدرسة المشاغبين ، وسندان مجتمع يربط الإفلات من الجريمة بالعزة ويربط العربدة وحمل السلاح "بالفياعة" ، وفي بحر العنف يبقى المعلم هو الطرف الوحيد منزوع السلاح بينما لم تتخذ أية تدابير تذكر بالنسبة لباقي الأطراف.
وإذا كان المعلمون هم اللبنة الأساسية في عملية التعليم ، فالمفروض أن تشملهم المبادرات ، وأن تحسن رواتبهم الضعيفة المعيبة ، فمن غير المعقول أن يحصل المعلم على راتب لا يؤمن له متطلبات الحياة الأساسية ، وأن لا تكون له نقابة تدافع عن حقوقه ، ثم نتوقع منه أن يخرج أجيالاً.
في دولة نسبة الأمية فيها من أقل دول العالم وتقل عن %10 ، وفي دولة تقول الدراسات أنها في المركز الأول في العالم العربي على مستوى التعليم ، من المفروض أن ينظر إلى العنف المدرسي بمفهومه الواسع ، وأن يكون المعلم محور اهتمامنا ، وأن نعيد له حقوقه المسلوبة ، ومكانته في المجتمع.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور