أعطاني والدي كرم عنب.. لكني لم أقدم له عنقوداً واحداً.
عندما يموت قريب عزيز علينا ، نشعر أن الحياة قد توقفت ولا سبيل إلى أن نكملها وحدنا ، وبمرور الوقت تدب فينا الحياة مرة أخرى ، فالبقاء واحدة من أعظم غرائز البشر ، ولكن تظل في القلب نقطة سوداء أو غصّة تظهر من حين إلى حين وقد تعود بك مرة أخرى إلى نقطة البداية أو أشد.
سنتان مرّتا على وفاة أبي ، رحمه الله ، وكلما مر يوم شعرت بفخر أكبر ، لأنني عاصرت كامل الشريف ، عاصرته ليس بصفته جندياً يجاهد على ثرى فلسطين أو مدافعاً عن القدس والمسلمين في المحافل الدولية أو سياسياً لامعا أو كاتباً فذاً ، وإنما عاصرته كأب.. مجرد أب.
لو سألتني أن أصف أبي في كلمة واحدة ، فأول كلمة تخطر ببالي أنه كان فارساً ، فقبل أعوام بعيدة اكتشف ابن عمي حبه للخيل ، ولأنني كنت ربيبه ، فقد غرس فيّ ذلك الحب أيضاً ، فأسسنا تجارة لبيع الخيل برأسمال قدره خمسة عشر ديناراً ، جمعنا معظمه من أبي ، وفي أحد الأيام ونحن نعرض على أحد أولاد حارتنا فرساً ، أكل الدهر عليها وشرب ، استعرضت أمامه بزهو على صهوة الفرس في الشارع ، على مرأى من أبي الذي لم ألحظه ، فغضب غضباً شديداً ووبخني بشدة لمفاخرتي أولاد حارتنا ، ولكن بعد أيام اشترى لي "جَموح" ، الفرس العربية ، مشترطاً أن أقفل تجارتي في الخيل.
يا إلهي، ما أجمله على صهوة فرسه بشماغه الأحمر وفروته والأهم ابتسامته.
كان كريماً ليس لكرمه حدود. طرق بابنا سائل وكنت في بداية شبابي فنهرته ، وبدوره نهرني أبي مذكراً إياي بقول الرسول "أعطه ولو جاءك على حصان أبيض". لم يرن هاتفه قط إلا أجابه ، كان أصدقاؤه من جميع الطبقات والأصناف ، وهو جالس مع أي كان لن تميز مركزاً اجتماعيا ، فالجميع كانوا سواسية بالنسبة إليه ، وما من دافع أقوى لاحترامهم من إنسانيتهم.
وأكثر ما كان يدهشني جرأته ، لن أتحدث عن حرب فلسطين أو قتاله الصهاينة ، ولكنني سأحدّث عن قصة أبسط بكثير ، فهو كما أسلفت كان أبي.
كان من هواياته أن يمشي في الظلام الدامس في الصحراء ، وفي إحدى الليالي بينما كنا نمشي في صحراء سيناء على مشارف فلسطين ، سمعنا صوتاً غريباً يقترب منا رويداً رويدا ، فحضرتني كل الحكايات المرعبة عن بنات آوى والذئاب وحتى الجنّ ، فما كان مني إلا أن حاولت أن أخطف عصا أبي لأضرب مصدر ذلك الصوت بعد أن تملكني الخوف ، وهنا جعلني خلفه ووقف بثبات إلى أن وصل صاحب الصوت إلينا ، وما كان إلا طفلة صغيرة. ومع مرونته وسلاسته إلا أنه عند المواقف والقرارات الصعبة كان لا يهادن ، صلباً كالجلمود.
في منزلنا كان النقاش أحد أبرز سماته ، لم تكن هناك حواجز للأفكار أو المواضيع المطروحة مهما كانت متطرفة أو ساذجة ، فكل فكرة قابلة للطرح والنقاش ، والأهم أنها تحترم ، ولم أسمعه قط يسفّه أي رأي.
أذكّر نفسي وأحاول جاهداً أن أقلد أبي في تربيتي لأولادي ، فلعله يراهم بعينيّ أو يربت عليهم بكفّي. كثيراً ما أحاول تقليده في "تطويل بالي" وتعاملي ، وأحيي ذكراه باستشعاره في الأماكن التي كنا نذهب إليها ، والتقاليد التي كنا نمارسها وأعمل على بقائها.
سنتان مرتا على وفاته. أفكر دائماً ماذا لو كان أبي على قيد الحياة ، كيف سيكون موقفه حيال حرب غزة ومحاصرة أهلها ، والأحداث الجسام التي تمر بها الأمتان العربية والإسلامية ، أعزي نفسي قائلاً لم يضع عليه شيء ، وأنه لم يفارق الحياة وحده وإنما أمة بأكملها قد فارقتها.
يا من آباؤهم على قيد الحياة ، قدّروا هذه النعمة ، وتمتّعوا بكل دقيقة تمضونها معهم ، وبرّوهم وأطيعوهم ، واحرصوا على تقبيل رؤوسهم ، ومشابكة أيديهم ، واستمعوا إلى قصصهم وإن تكررت وتقبلوا انتقاداتهم وإن أجحفت ، فكما يقال "نعرف قيمة الملح عندما نفقده" ، وقيمة الأب بعد وفاته.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور