"ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون". البقرة ,42

هنالك نماذج لأبطال يدافعون عن قضايانا بجرأة عجيبة ، جرأة تفوق سياسيينا ومنظرينا ، لديهم منطق قوي وأفكار منظمة ، ويدفعون ثمن مواقفهم هذه ، فيُحاربون في أرزاقهم ، ويُسجنون ويُسبون ويُنفَون ، وأحياناً يدفعون حياتهم ثمناً للحقيقة ، فكما يقول فوفنارغ "قليلون هم الذين فُطروا على تحمل الحقيقة وقولها".

العجيب أنهم لم يقرأوا للمتنبي ولم يُعجبوا بشجاعة عنترة بن شداد ، ولم يتأثروا بسيرة الصحابة و التابعين ، لا علاقة لهم بالعرب العاربة ولا حتى المستعربة ، يدافعون عن الحق في زمن نسي أو تناسى أصحاب الحقوق حقوقهم إلا من رحم ربي. هؤلاء الأشخاص يهوداً وأمريكان وأوروبيين ليس لهم أية مصلحة سوى قول الحقيقة ، البعض معروفون لدينا مثل المفكر الفرنسي جارودي ، وتشومسكي ، وجالاوي ، وايلان بابي وأخيراً البطل ديفيد ايربون المسجون في النمسا لطعنه في تفاصيل المذبحة السامية ، ولكن سأتحدث عن أشخاص آخرين اطلعت عليهم من خلال القراءة أو الانترنت وأعجبت بهم ، وأحب أن أشرك القارئ العزيز في ثلاثة نماذج منهم.

نورمان فينكيلستين ، كاتب يهودي متخصص في شؤون الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ، ممنوع من دخول الأراضي المحتلة منذ عشرة أعوام بسبب آرائه المناهضة لإسرائيل ، ناظَر الناطق الرسمي للدولة الصهيونية في برنامج حواري بكل رزانة وهدوء ، فكان مما قاله: "يجب مطاردة سياسيي وجنرالات اسرائيل المتورطين في حرب غزة ، وأن المجتمع الاسرائيلي لا يتمتع بحرية التعبير ، فاسرائيل تراجعت تراجعاً كبيراً في هذا الإطار فترتيبها الآن 93 من 180 دولة بالنسبة لحرية التعبير حسب منظمة "صحفيون بلا حدود" ، ولا توجد دولة بجنون اسرائيل ، وكان أقوى ما قاله في هذه المناظرة عندما قال الناطق عندما جاء أبي إلى الجليل حاملاً التوراة في يد والبندقية في يد أخرى ، وطرق الأبواب مادّاً يده للسلام على سكان أرض ما يسمى باسرائيل ، إلا أنهم رفضوا ذلك ومارسوا الإرهاب ضدنا ، أجابه بطلنا ، ماذا سيكون موقفك لو طرق أحدهم باب منزلك حاملاً كتاباً في يده وبندقية في يده الأخرى ، قائلاً لك أن هذا المنزل من حقه لأن أجداده شغلوه قبل ثلاثة آلاف سنة؟، ولولا نية العدوان لما حمل أبوك بندقية. وقال أيضاً أن اسرائيل دولة مغتصبة وتقلب التاريخ ولا تسعى للسلام.

ديفيد ديوك ، نائب سابق لولاية أريزونا الأمريكية ، وله عدة كتب بيعت منها أرقام قياسية ، مثل كتاب "صحوتي" الذي يناقش التأثير الصهيوني في روسيا ، ويعيش حالياً في جمهورية التشيك بعد أن رفض الاعتراف بالمذابح الصهيونية ، ظهر في مقابلة على محطة "سي إن إن" ، واتهمه مقدم البرنامج بأنه يكره اليهود وأنه رئيس سابق لمنظمة عنصرية بيضاء ، فأجاب بهدوء أعصاب غريب ، أنني لا أكره اليهود ولكن اليهود هم الذين يكرهون أي شخص يخالفهم ، لدينا حرب في العراق لأن اليهود أرادوا الحرب ، وأولادنا يموتون يومياً في العراق لأن اليهود يريدون ذلك ، وإسرائيل دولة إرهابية قامت بارتكاب العديد من المجازر ، وأنها تضرب المصالح الأمريكية في المنطقة ، وأن الإعلام بيد الصهاينة ، فأربع من أكبر خمس وسائل إعلام في الولايات المتحدة تسيطر عليها الصهيونية ، لذلك فهم متحكمون بالسياسة الأمريكية.

سيسيل موزا ، بطلتي الأخيرة المفضلة ، وهي عجوز فرنسية تدير فندقاً صغيراً يحمل اسم "دو لافاب" في منطقة بروفانس ، هذه البطلة وآخرون من أصحاب الفنادق الصغيرة في نفس المنطقة يرفضون استضافة أي نزلاء من اسرائيل ، لأنهم حسب تعبيرها يمارسون إبادة ضد الفلسطينيين العزّل في الضفة الغربية وغزة ، ولأن اسرائيل دولة عنصرية وخطر على السلام العالمي.

الأمر المحزن أن مثل هؤلاء الأشخاص يحارَبون من الجميع بمن فيهم نحن ، فكلنا شاهدنا تصريحات النائب البريطاني جالاوي الذي رافق قافلة شريان الحياة قبل أشهر إلى غزة بأنه لن يحضر مرة أخرى إلى دولة عربية بعد أن ذاق الأمرّين خلال رحلته.

وأذكر عندما استضافت "الدستور" جارودي قبل سنوات ، حدثنا جارودي أنه لم يشعر بمثل السعادة التي شعر بها من حفاوة الاستقبال و من إقبال الناس وتفاعلهم اللذين لقيهما في محاضرته.

لدينا الكثير لنتعلمه من هؤلاء الأشخاص الذين لا يوزنون بالذهب ، فأصواتهم تصدح في بلادهم ويؤثرون بالرأي العام ، فهم من نفس جنسهم ، ويتحدثون لغتهم ويتعاملون بمنطقهم ويجادلون بأسلوب علمي بعيد عن العصبية والتشنج ، فمن أضعف الإيمان إن لم نفعل مثلهم أن نهتم بهم وأن نقف إلى جانبهم وندعمهم ، وإذا كانت الحكومات لا تجرؤ على ذلك ، فمن المفروض أن تلعب المراكز الثقافية والمنظمات والقوى الشعبية والأفراد هذا الدور ، فاصوات الحق في النهاية ليسوا سوى أفراد.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   اسماعيل الشريف   جريدة الدستور