تذكرت الكتاب الأخير للسيد بسام أبو شريف "بيروت مدينتي" الذي صدر في بداية العام الحالي ، وأنا أشاهد الفيلم الوثائقي الرائع "الذاكرة المثقوبة" للمخرجة الأردنية ساندرا ماضي ، وقد فاز بجائزة مهرجان بيروت في العام الماضي ، فما علاقة هذا بذاك ؟،

يهيم أبوشريف عشقاً ببيروت ، ويسطر قصة حبْ عارمة لهذه المدينة العربية ، ويؤرخ بشكل أدبي جميل لفترة عشرين عاماً قضاها فيها حتى عام 1982 ، وهو عام الاجتياح الإسرائيلي لها وخروج الفصائل الفلسطينية منها ، وبذلك انقضت فترة الكفاح المسلح ضد العدو الصهيوني ، وفي حقيقة الأمر فقد أسقط بسام ذلك الزمان بحلوه ومره وأبطاله على المكان ، فكما يقول مجنون ليلي: وما حب الديار شغفن قلبي

ولكن حب من سكن الديارا

فهو يؤرخ لذلك الزمنْ الجميل ، زمن اعتبار الفدائي بطلاً تفتح له حدود العالم العربي ويستقبل بالأحضان ، وأيام كانت الفتيات تستهويهن القيم والمبادئ وأبطال المقاومة ، ولزمن كانت تعيش فيها قيادات العمل الفلسطيني تحت الأرض وفي الكهوف ويشربون الشاي ويتسامرون مع مقاتليهم ، وزمن كان السلاح شرقياً ، والفصائل تجتمع تحت القصف وتنسق المواقف ، وزمن الضربات الموجعة ضد العدو.

وفي ذلك الوقت نشطت حرب الاغتيالات الإسرائيلية لرموز المقاومة الفلسطينية وطالت عدداً من المفكرين والأدباء الفلسطينيين ، فها هو "زاجر" رئيس الموساد يقول بعد اغتيال الشهيد غسّان كنفاني ومن قبله وائل زعيتر: "على الكتاب والصحفيين ألا يخربوا فقد كانت كلمات هذين الفلسطسينيين أخطر من الرصاص على إسرائيل" ، وقد حاول الموساد اغتيال أبوشريف من خلال طرد ملغوم ، فأصيب إصابات بالغة في عينيه ويديه وساقيه وصدره.

أما فيلم الذاكرة المثقوبة فيصلح أن يكون تكملة لكتاب "بيروت مدينتي" ، فهو يسلط الضوء على حياة المناضلين القدامى في منظمة التحرير في الوقت الراهن ، ومعاناتهم اليومية خلال مراجعاتهم لأحد مكاتب المنظمة للحصول على مبالغ تافهة كاعانات لا تكفي سد حاجاتهم وعائلاتهم الأساسية وتأمين شيخوختهم ، وعلاج إعاقاتهم. فهؤلاء هم بقايا ابطال كتاب بيروت مدينتي ، فهم من دافعوا بالسلاح عن قضية فلسطين وجعلوها تخرج لحيز الوجود ، إلى أن أصبحوا في النهاية كخيل السباق ، يضحى بها بدم بارد بعد الهزيمة.

وعلى جانب العدو ، فإن المقاتلين الميدانيين قد ترقوا ووصلوا إلى أعلى المناصب فجميع الساسة الصهاينة قد حملوا السلاح وقتلوا الأبرياء بدم بارد ، وما تعلموه في الميدان يطبقونه في السياسة ، ولكن هذه المرّة ببدلات فاخرة وربطات عنق مزركشة غلب عليها اللون الأحمر ، وما زالت لديهم نفس الاستراتيجية والقيم والأساليب الدنيئة في مواجهتنا ، أمّا نحن فلم يبق لنا شيئا سوى ذاكرة امة سادت العالم في حقبة ما .


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   اسماعيل الشريف   جريدة الدستور