"وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى" النجم 39 - ,41
بالتأكيد لن أتحدث عن مارغريت تاتشر ، رئيسة وزراء بريطانيا لأكثر من عشرة أعوام ، أطلق عليها لقب المرأة الحديدية ، وزير دفاع ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي ، لسلاطة لسانها وقوة شخصيتها.
ولكني سأتحدث عن سيدة أردنية فاضلة ، أصدرت قبل أيّام كتاب سيرة حياتها بعنوان "محطات في رحلتي مع الحياة" ، وشدّني هذا الكتاب بحيث قرأت جزءاً كبيرا منه في ليلة ، وهو بحق سيرة حياة تصلح لأن تكون فيلماً سينمائياً درامياً من الطراز الرفيع ، يبكي الجمهور أحياناً ويفرحهم أحياناً أخرى ، أو رواية عظيمة تترجم للغات العالم يتفاعل القارىء مع شخصياتها.
إنها رحلة كفاح السيدة هيفاء ملحيس البشير ، وهي رحلة وفاء لزوجها الذي أحبت ، ولوطنها ومجتمعها ومليكها.
لن أتطرق إلى عملها الريادي في الجمعيات والمؤسسات الاجتماعية التي أسّستها ، ومحاربتها لعادات بالية ، ومحاضرات ألقتها ، وكتب ألفتها ، ومواقف اتخذتها ، تقول فيها أم مازن: "العمل العام دون مقابل لله وللوطن" ، وهذه الأعمال وإن كانت عظيمة وجليلة إلا أن الكثير يفعلونها.
ولكن ما فعلته لا يفعله إلاّ سيدات هذا الوطن اللاتي يعًشن من أجل الجميع وينسين أنفسهن ، ويذبْن كالشموع في سبيل إضاءة الطريق لأبنائهن ، من وفاء ورثته عن والدتها التي كانت تصلّي كل صلاة مكتوبة مرّتين مرة لها ومرة لزوجها ، الذي توفّاه الله وهيفاء ما زالت طفلة صغيرة ، إلى استشهاد زوجها المرحوم د. محمد البشير برفقة الشهيدة الملكة علياء في تحطم طائرتهم المروحية أثناء عودتهم من زيارة تفقدية لمستشفى في الطفيلة ، فرأت اليتم مرة أخرى بعيون أبنائها.
ترك لها المرحوم ثلاثة شباب في الجامعات ، وواحداً في الثانوية العامّة ، وطفلين لم يتجاوزا العاشرة من عمريهما.
نفضت الدموع واحتفظت بحزنها الشديد ، وأكملت المسيرة وحدها ببطولة وصلابة تعز على أكثر الرجال ، وبادرت إلى العمل وصناعة الفرص و أخذ المخاطرة ، وعلّمت أبناءها العمل منذ صغرهم ، وأنشأت المشاريع ، فمن صناعة الأجبان والزيتون إلى إنشاء محطة محروقات و الزراعة ، واضطرت أحياناً وتحت وطأة الديون إلى التخلي عن أشياء ، فباعت منزل الوالد الراحل في سبيل أن تكمل تعليم أبنائها ، فتخرج أبناؤها من أهم الجامعات وحصلوا على أعلى الشهادات ، وتبوأوا ويتبؤون أهم المناصب.
تقول أم مازن في كتابها أن من الأمثال التي تكرهها "ترباية امرأة" ، وهو مثل شعبي يوصف الرجل بالضعف إذا ما تولّت أمه إدارة شؤونه ، ولكني أقول ما أعظم أن تكون ربيب امرأة مثل ام مازن قد ربّت ستة شباب ، ثلاثة منهم أطبّاء ، واثنان يحملان درجة الدكتوراة ومهندس ، مضرب مثل بالذكاء والاخلاق والاجتهاد ، وكما يقول بلزاك: "الرجال من صنعتهم أمّهاتهم".
ومن فضل الله على أم مازن أنها شاهدت ما صنعت يداها ، وكوفئت في الدنيا كما ستكافأ في الآخرة بإذنه تعالى ، فيقال أن الشهيد يشفع لسبعين ، ولعل أم مازن هي أول السبعين.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور