"الوطنية أعمال وليست كلمات لا معنى لها"
(بو مارشيه)
لا أظن أن صديقي بطل راليات السيارات متابع لحرب البيانات والمقالات والتعليقات المتعلقة بها والتي تقض مضاجع الأردنيين هذه الأيام ، فهو يعيش في زمن السرعة والعولمة الذي أصبح فيه العالم قرية صغيرة ، ويعرف صديقي أن أمجاد الأمة العربية الإسلامية قد بنيت على أكتاف العرب والعجم من صلاح الدين ومحمد الفاتح وقطز وابن سينا والخوارزمي والفارابي الذين نجلّهم ونتغنّى بانتصاراتهم ونفتخر بإنجازاتهم وإسهاماتهم في المسيرة البشرية ، وقد يعرف أن الدول المتقدمة تفتخر بتنوع الأعراق والثقافات والألوان حيث أن ذلك يثري المجتمع ، وبالتأكيد لا يعرف أن العرب تنتسب دائماً لقبيلتها ولا تنتسب للمكان.
صدفة التقيت صديقي هذا بعد طول فراق فسألته عن سبب هذا الغياب ، فأجابني أنه كان مشغولاً كمتطوع - هذه المرّة - في تنظيم إحدى بطولات الرالي العالمية التي نظّمت في المملكة مؤخراً ، وكان فخوراً بأن هذا الرالي حقق نجاحاً باهراً وجذب وسائل الإعلام العالمية لتغطيته ، وكم كان فرحاً متهللاً وهو يقول لي إن علم بلادي قد ظهر خلفية في إحدى المحطات عندما أذاعت خبر الرالي.
كم من فتى وفتاة أردنية يعملون بصمت ولكن بحماس خلف الكواليس لا همّ لهم سوى تقديم وطنهم بصورته البهية الحقيقية ، وكم من طبيب أردني عالج مريضاً أجنبياً فأحب هذا المريض الطبيب ووطنه ، وكم من عامل قضى صيفه في دول الخليج تحت الشمس الحارقة فكان مثالاً للأردني العامل الأمين ، وفتح المجال لأقرانه للعمل بجانبه ، وكم من مزارع تمكن من تصدير خضاره إلى أوروبا فجعلهم يتغنون بالزراعة الأردنية ، وكم وكم وكم.. فهؤلاء جميعاً لا يهدفون لأي مجد أو شهرة أو مكافأة سوى فخرهم بانتمائهم لهذا الثرى الطاهر وهذا المجتمع الأبي وهذه العزة الهاشمية.
للأسف فإن البعض اختصر حبه لوطنه بصورة وأغنية وشعار وعلم. من الجميل أن تعبر عن حبك لوطنك ولكن الأجمل أن تعمل لأجله ، فالوطنية الحقة أن تعمل الخير لوطنك ، وأن تشقى ليسعد ، وأن تموت ليحيا ، وأن تذل ليعز ، لا تبالي إذا ما أصبت من أجله في مالك أو ولدك.
والوطني الحق الذي يكون دائماً حاضراً لوطنه في السراء والضراء ، وتبدأ الوطنية بحب الله وحب العائلة ، وحب الناس وتقبّلهم والتطبع بمنظومة الأخلاق التي لخّصها لنا ديننا.
ولا تخلق الوطنية بشكل عبثي ، وإنّما علينا غرسها في النشء ، فنعلّمهم حب الوطن والتضحية من أجله ، وننشئهم على الثقافة الوطنية واحترام القانون ونهذب لهم سلوكهم ، ونجسّد لهم المواطنة الحقة من الغيرة على الوطن وعلى قيادته ، وحبنا للمجتمع الذي نعيش فيه ، والرحمة بالإنسانية ، وعملنا في سبيل المجتمع واحترامنا لرجال الأمن والمحافظة على مقدراتنا وممتلكاتنا العامة وإخلاصنا في عملنا.
فأساس الوطنية هو الإخلاص للوطن ، وفي ذلك يقول الشاعر عامر بحيري:
وإذا تمادى الشعب في وثباته
للمجد حطم باليمين سدوداً
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور