"الفقر هو صـًنْو الجهل وصًـنْو المرض ، ومتى اجتمع الثلاثة ... مات في النفوس كل شعور وطني".

تحدثت في المقال السابق عن التمييز والتباين في المستوى التعليمي ، وكما قلت سابقاً فإن حديثي لن يقدم أو يؤخر ، وإنما هي "سواليف حصيدة" ، واليوم أكمل ما بدأت ولكن لأكشف عن تمييز أشد وأفظع وعادة ما تذهب ضحيته حياة إنسان.

قبل فترة تعرضت لألم في صدري ، وذهبت تحت إلحاح من الأهل إلى مستشفى خاص ، فأجريت لي الفحوص اللازمة ، وكانت نتائجها على الحافة ، فوضعني الطبيب تحت المراقبة ورفض أن يخلي سبيلي ، وفي اليوم التالي أجريت لي عملية قسطرة تنبّأ الطبيب مسبقا بنتيجتها المطمئنة ، وبحمد الله وفضله خرجت من المستشفى معافى ولم أكن مثل الذي ندبه أهله قائلين: دخل المستشفى برجليه. وتندرنا أنا وزوجتي على هذه الزوبعة التي ثارت في فنجان وذهبت بنقود شركة التأمين التي غطت مشكورة كافة التكاليف.

صديقي العزيز مرّ بنفس تجربتي مع فارق بسيط ، أنه راجَعَ قسم الطوارئ في مستشفى عام. آلام صدره كانت شديدة ، ولكن الفحوصات جاءت نتائجها ممتازة ، فأرسلوه إلى منزله بدون حتى حبة أسبرين ، وخلال ساعة داهمته ذبحة ثانية كانت كفيلة بقتله ، وترميل زوجته الشابة ، وتيتيم أولاده الصغار. أعيد صديقي جثة هامدة للطوارئ ، حيث لم يُحسن الطبيب المتدرب قراءة تخطيط القلب في المرة الأولى ، وكانت نتائج الفحوص المخبرية الطبيعية تعود لمريض آخر. هذه المرة حملوه إلى العناية الحثيثة ، وضخّت الأجهزة الهواء في جثته ثلاثين ساعة قبل إعلان الوفاة لتغطية الأخطاء التي تسببت في قتله.

أؤمن تماماً بأن الأعمار بيد الله ، وأؤمن أنه جعل لكل وفاة سبباً ، ولكن هل من المعقول أن يفقد مواطن حياته لعدم الاكتراث ، أو لقلّة الأسرّة ، أو لأن أمثاله كُثُر والطبيب مُحبَط؟ وأتساءل لو تبادلنا الأدوار فهل سيكون صديقي في عالم الأحياء؟ فكما قال بزرجمهد "إذا كان شيء مثل الموت فهو الفقر" ، وصديقي هذا كان فقره موته.

وكأننا ندور في حلقه مفرغة من اليأس ، فالناس يرون أن العناية الطبية في المستشفيات العامة سيئة ومهينة أحياناً ، والمرضى ينتظرون فترات طويلة لتلقي العلاج ، ولا يلقون العناية الكافية. ومن وجهة نظر الأطباء فالرواتب ضعيفة ، والكادر لا يكفي ، والأجهزة متهالكة ، وفترات الدوام طويلة للغاية تصل في المعدل إلى 360 ساعة في الشهر ، وهناك خوف وتوجس من أهالي المراجعين وعدوانيتهم.

وتبقى العناية الطبية هي ألف باء الحقوق الأساسية للمواطنين ، وأحسنت وزارة الصحة بالاتفاق مع الأمن على وضع مفارز أمنية في المستشفيات العامة مما سيحد من ظاهرة الاعتداءات المتكررة على الكوادر الطبية التي بلغت حالاتها المسجلة 34 حالة في العام الماضي وأكثر من 15 حالة هذا العام لغاية الآن. وكما حمينا الكوادر الطبية فمن المفروض وجود آليات واضحة يعبّر المراجعون من خلالها عن الشكوى إزاء أي خطأ أو إهمال أو سوء معاملة يلقونها ، وأن تتابع هذه الشكاوى بشكل جاد ، وأن تُصوَّب أوضاع الكوادر الطبية ، وأن نزيد من عدة وعتاد المستشفيات العامة ، وأن نحترم المريض لأنه إنسان وليس مجرد رقم يستنزف خزينة الدولة.

وما يؤكد حديثي هذا ، زيارات سيد البلاد - حفظه الله تعالى - المتخفية للمستشفيات العامة والمؤسسات التي تقدم الخدمات الطبية ، وذلك بناءً على عيون وتقارير وصَلـتْـهُ عن تردي الحالة التي وصلت اليها مستشفياتنا العامة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   اسماعيل الشريف   جريدة الدستور