الأقوياء بكل أرض قد قضوا
أن لا تراعى للضعيف حقوق
جميل الزهاوي
عزيزي القارئ ، أرجو أن تغمض عينيك وتتخيل معي هذين المشهدين: الأول ، في نهايات الشهر الماضي زار "مايكل مولن" قائد القوات المشتركة الأمريكية الكيان الصهيوني ، ومن هناك قالها بملء الفم أنه ينظر إلى التهديدات في المنطقة بمنظور إسرائيلي ، ذهب إلى هناك بعد الإهانة التي تلقاها "بايدن" نائب الرئيس الامريكي أثناء زيارته الأخيرة عند إعلان "اسرائيل" استمرار بناء المستوطنات في القدس المحتلة ، فبعد فشل السياسيين جاءت محاولة العسكر ليقنعوا الصهاينة أنهم يضرون حاليا بالمصالح الأمريكية بالمنطقة ، وأن المصالح الحالية تتطلب تسوية للصراع وإعطاء ولو الفتات للعرب لحفظ بقايا حبيبات ماء وجههم ، فدماء الجيش الأمريكي في العراق وأفغانستان تنزف وتسوية الصراع قد تحقن الدماء ، ورجاهم "مولن" أن يضبطوا أعصابهم ولا يستخدموا القوة ضد إيران ، وإلا ستصبح الجيوش الأمريكية في العراق في خطر أكبر ، فالولايات المتحدة لا تريد أن يورطها الصهاينة بحرب جديدة.
هذا ما حدث في الكيان الصهيوني ، ولننتقل الآن إلى المشهد الثاني: يقول "نورمن شفاتز كويف" قائد القيادة المركزية للقوات الأمريكية خلال الفترة 1988 - 1994 بعد أن زار المنطقة أنه احتاج إلى فترة طويلة للتخلص من جنون العظمة الذي أصابه بعد زيارته الأخيرة لعدد من العواصم -الحليفة - في المنطقة ، وذلك لما وجده من مراسم الاستقبال وما رافقها من إجلال وتعظيم يفوق ما يلقاه الأباطرة ، ومشاهدته كبار المسؤولين الذين قابلهم يتعاملون معه كأنهم مجندون جدد التحقوا حديثاً بقيادته ، ويتحدثون معه بكثير من الرهبة الممزوجة بالإثارة.
وشتان ما بين المشهدين ، فالأول يمثل علاقة تحالف ومصالح وتطابق تام في وجهات النظر والنظر بعيون اسرائيلية ، والثاني يمثل علاقة خنوع واستسلام والنظر من تحت البسطار الأمريكي.
فالمسؤولون يعرفون أن لغة الكلام تكون مع الساسة ، وقد يصلون أحياناً إلى أعشار الحلول ، أما مع الجيش فلا يوجد كلام ، وإنما قوة ودمار.
وإذا كانت الشعوب ضمن الشرق الأوسط الكبير من فلسطين إلى باكستان - كما يحلو للأمريكيين تسميتها - يعتقدون أنهم يُعاملون بقسوة وظلم وقلة احترام ، فما عليك عزيزي القارئ إلا أن تتخيل ما يجري مع قياداتهم خلف الابواب المغلقة عند اجتماعهم مع الأمريكان فهم يعاملونهم بقسوة وقلة احترام أكبر ، وتتصبب جباههم عرقاً أكثر مما تتصبب جباه شعوبهم وهم واقفون في طوابير الخبز أو في الأقسام الأمنية ، فهم اسود على شعوبهم وخراف مع امريكا.
ولا شك أن عصر انفراد الولايات المتحدة بالسلطة من جهة ، والضعف وفقدان الشرعية والمحافظة على الكراسي بأي ثمن من جهة أخرى أديا إلى هذه المشاهد ، وهكذا فشلت دولنا في لعبة التحالف الدولية أو حتى الأقليمية ، وإذا ما أردنا أن نحفظ حقوق شعوبنا ومصالح أوطاننا فيجب البدء بخطوات حقيقية جادة نحو تنسيق عربي حقيقي يضم دولاً لها ثقلها ويجمعنا معها الكثير مثل تركيا ، وللأسف ففي هذا العالم القوة هي التي تفرض احترام الدول وتحدد المواقف التفاوضية وفي هذا يقول الشاعر:
ومن لم يكن ذا ناصر عن حقه
يطلّب عليه ذو النصير ويضهد
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور