إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه
فصدر الذي يستودع السر أضيق
لكل منا أسراره الدفينة وأفكاره التي لا يجرؤ على البوح بها وتبقى في غيابة فؤاده يخشى أحياناً مجرد التفكير بها ، ولكنها تظل تؤرقه وتخنقه ويتمنى لو أنها تختفي فقط.
كأن ذلك بالأمس ، صيف عام 1982 وتحت دالية جيراننا ، تابعنا بطولة كأس العالم مجاناً وعلى شاشة التلفزيون الأردني ، قبل أن يفسد المال اللعبة واللاعبين ، وبجانبنا تيرموس ماء بارد ، وأحياناً كوب من الشاي الحلو. الجميع شجع الجزائر بحماس منقطع النظير ، وكأننا نحن من يلعب ، وحفظنا أرقام وأسماء اللاعبين وحاولنا تقليد حركاتهم ، ولبسنا فانيلات خضراء اللون. وفي المباراة الأسطورية مع الفريق الألماني شجعنا كما لم نشجع من قبل ، وهتفنا وغنينا وعانقنا بعضنا بعد الفوز التاريخي للجزائر ، وبعدها بكينا وحزنا ولمسنا لأول مرة كراهيتهم لنا عندما تآمر الفريقان الألماني والنمساوي وتعادلا لإخراج الجزائر.
كلنا شجعنا الجزائر إلا صديقنا أمجد صاحب الدالية والماء البارد ، كان يشجع ألمانيا ، فشتمناه وتهكمنا عليه ، وأصبح حديث مجالسنا ، وأطلقنا عليه لقب الخائن ، ذلك أن عقلنا الشاب آنذاك لم يستوعب إلاّ تشجيع الجزائر.
وتدور الأيام وتلعب الجزائر هذا العام في كأس العالم ممثلاً وحيداً لعالم يوصف بالعربي. وأعترف الآن أني لم أشجع الجزائر ولم أتعاطف مع فريقها ، واحتفظت بهذا السر ماثلاً أمامي متمثلا قول سيدنا علي كرم الله وجهه: "صدر العاقل صندوق سره" ، ولكنني مع ذلك عشت في صراع كبير وتأنيب ضمير ، وأنا الذي أُنظّر دائماً عن الوحدة العربية.
ولشعوري بعقدة الذنب هذه ، بدأت أراقب تعابير الناس أثناء مباريات الجزائر لأجدها باهتة ، وأحاديث الناس بعد مبارياتهم لأجدها عادية تخلو من أي عاطفة ، وجدت أعلام جميع المنتخبات على السيارات إلا علم الجزائر ، والأطفال يلبسون قمصان معظم المنتخبات إلا منتخب الجزائر ، إذن فلست المذنب الوحيد ، تجرّأت وبدأت أسأل لأتأكد من أنني لست الوحيد ، وأن الناس شجعوا كافة الفرق إلا الجزائر.
وهنا بدأت أفكر لماذا لم أشجع الجزائر وأبحث عن الأسباب ، ترى هل لأنها لعبت بشكل سيىء ولم تسجل أي هدف ، أم لسوء خلق اللاعبين وافتقادهم للروح الرياضية واعتدائهم على إحدى الصحفيات ، أو لتصرفاتهم غير اللائقة في الملعب ، أو لأن العديد منهم صبغوا شعرهم باللون الأشقر حتى تظن أنك أمام فريق اسكندنافي ، أو لأن معظمهم لا يتحدثون إلا الفرنسية في مقابلاتهم الصحفية ، وكأن ارتباطهم بوطنهم يقتصر على جواز سفر منحه لهم الأهل ، وأنهم لعبوا للجزائر لسبب بسيط أنهم لم يرقوا إلى المستوى الذي يؤهلهم للّعب في منتخبات البلدان الأوروبية التي يعيشون فيها.
مهما كان ، لم أتمكن من أن أجد المبرر لبعض الجماهير العربية التي حملت علم الولايات المتحدة وجابت الشوارع فرحاً عندما هزمت الجزائر.
ما الذي حدث خلال الثلاثين عاماً ، هل نجحت المخططات في تفسيخنا وهل العولمة صبغت العالم بثقافة واحدة وانتماء واحد ، أم أنني ببساطة جزء من أمة شاخت؟.
ويبقى صديقي أمجد وحده صاحب المبدأ الذي لم يغيره منذ ثلاثين عاماً.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور