وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا
"أحمد شوقي"
الحمد لله الذي أكرمنا بصيام رمضان في أشهر الحر ، إنها نعمة من نعم الله التي لا تحصى على عباده ، أن يهبنا الأجر على قدر المشقة ، وقد كان سيدنا أبو بكر الصديق يصوم الصيف ويفطر الشتاء ، وتأسف سيدنا معاذ بن جبل عند موته على ما سيفوته من ظمأ الهواجر.
عندما تجوع وتعطش ويصبح جسدك خاوياً ، تتجلى روحك التي ربما نسيت أمرها ، وتعود إلى أبسط متطلبات الحياة: الماء والكلأ ، فتشعر بضآلتك أمام عظمة الله وتبدأ بالتفكير بأسئلة البداية من أين ولماذا وإلى أين؟
في رمضان ألح علىّ سؤال: أيهما أفضل؟ أن تكون متديناً بلا أخلاق أو غير متدين بأخلاق؟، وهل الفضيلة يمكن أن تتحقق بأخلاق وحدها بلا دين؟ وهل يقام الدين بلا أخلاق؟
استمعت قبل سنوات لمحاضرة ألقاها أحد أصحاب الرأي ، قال إنه تعرض لتعذيب مبرح على يد قوات الأمن في أحد المعتقلات العربية ، كان الضابط يقطع تعذيبه بمجرد سماعه الآذان ، فيصلي وكأنه ملاك وبعد الصلاة يعود له شيطانه السادي. وحدثني طبيب لم تقبل إنسانيته أن يعمل في أحد المستشفيات في إحدى الدول العربية لهول ما رآه في ذلك المشفى ، فالجهاز الطبي كان يهمل المرضى طيلة وقت صلاة التراويح ، وتورط أعضاء من هذا الجهاز بالاختلاس والسرقة ، والعديد من أصحاب الذقون الطويلة كانوا يأتون للعلاج من السفلس .
تقول أحدث دراسات معهد جالوب أن الشعوب العربية هي الأكثر تديناً في العالم ، ومع ذلك ، فمن المؤسف أن ثلث الدول أعضاء جامعة الدول العربية من ضمن أكثر خمسين دولة فاشلة في العالم ، فالرشوة والفساد والغش وانتهاك حقوق الإنسان مستشر فيها.
إذن نحن أمام معضلة وتناقض خطيرين ، واسمحوا لي أن أستعمل مصطلحاً أكثر قسوة ، فنحن أمام مجتمعات مفصومة، كيف يمكن أن نكون الأكثر تديناً والأكثر سوءاً في الأخلاق ، وإذا كنا فعلاً متدينين فلماذا تزوّر الانتخابات وتنتهك حقوق الإنسان ، وتغلق الشوارع أثناء الصلاة ، وتكدس الأحذية على أبواب المساجد ، وتفيح رائحة القذارة من دورات المياه في المساجد ، ويكيل الصائمون الضربات لبعضهم في الشوارع والمؤسسات و حتى طوابير القطائف؟
لقد حل محل ديننا الحقيقي دين بديل يقوم على المظاهر والشعائر ، وهو دين سهل مفرغ تماماً من أية قيم أو التزامات أخلاقية ، ويقتصر على صلاة وصوم ولحية وثوب نلتزم بها كما نلتزم بالذهاب إلي العمل في ساعات معينة أو إيصال الأولاد إلى المدارس أو شرب لتر ونصف من الماء يومياً أو المشي بعد العشاء.
ولو كنا متدينين حقا فإن أهم مبادئ الإسلام بعد التوحيد عظة رسولنا الكريم : "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ، فالقرآن ذكر وصايا لقمان لابنه ، وآداب الاستئذان والجلوس في المجالس وحرّم التنابز بالألقاب والهمز واللمز والخيانة ، وفي الحديث الشريف ، ليس المؤمن بالطّعان ولا اللعان ولا الفاحش البذيء ، وكأننا نسينا أن الإسلام قام أساساً للدفاع عن القيم الإنسانية كالحق والعدل والمساواة والحرية ، وأنه وصل إلى شتى أطراف المعمورة بفضل أخلاق وحسن تعامل التجار المسلمين.
فلنحاول أن نعيش الصيام بمعناه الحقيقي وأن نطبق ما تعلمناه من أخلاق وسلوك المسلم الحقيقي بحيث تتطابق أخلاقنا مع تديننا ، ولنغتنم شهر البركة و نثقل موازيننا كما تعلمنا من الحديث الشريف "ما من شى أثقل فى الميزان من حسن الخلق".
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور