اجتنب الناس وعش واحداً
لا تظلم القوم ولا تظلم
"المعري"
من فضائل شهر رمضان المبارك أنه يعطيك الفرصة وأحياناً كثيرة الحجة لاعتزال الناس ، فيقل اختلاطك بهم وتجلس لفترات تتمنى لو تطول ، تفكر وتقرأ وتتعبد وتمارس نشاطاً رياضياً فلا تجهد الناس ولا يجهدونك ، ففي العزلة وقاية من تملق الكبير وامتهان الصغير ، في حين لا تستطيع عند الجلوس مع الناس إلا التحدث بما يرضيهم والعمل بما يسعدهم ، وفيها البعد عن الكذابين والمتكبرين والحاسدين ، والنجاة من الطغاة والظلمة ، ومجانبة الجدال مع الناس والأحاديث السخيفة ، والتظاهر ، وأهم ما في العزلة صمت اللسان ، فالحكمة عشرة أجزاء ، تسعة منها الصمت والعاشرة عزلة اللسان كما يقول العرب.
وإذا كان هذا رأيي ، فالشيخ المشهور عائض القرني ، ألّف كتاباً بعنوان "عز العزلة" ، ولمن لا يعرف القرني فهو أحد أهم الدعاة خلال العقدين الماضيين ، له أكثر من ثلاثين مؤلفاً ، وهو من أحفظ الأدباء وأبلغ الكتاب وأرشق الخطباء.
وقد كتب كتابه هذا بعد أن بلغ الخمسين ، ويقول أنه ألفه بعد أن شاهد العالم وعاش الأيام بحلوها ومرها ، ووضع فيه خلاصة تجاربه في الحياة ، فهل نفهم أن زبدة تجربته هي اعتزال الناس.
ويدافع القرني عن وجهه نظره فيقول إن أمهات الكتب والاختراعات العظيمة لم تأتً إلا من رحم العزلة ، وإن الوحي تنزل على الرسول (ص) أول مرة وهو معتزل في غار حراء ، وإن سيدنا موسى جاء بالألواح بعد أن اعتزل في جبل الطور ، ويأتي بمئات القصص والحوادث والنوادر التي تحكي عن فوائد الاعتزال وأهميته وروعته.
في هذا العصر الذي يوصف بعصر ثورة الاتصال ، هناك خمسة مليارات شخص يستخدمون الهواتف الخلوية ، ومليار نسمة يستخدمون الانترنت ، و قد ظهر عدو العزلة والوحدة جهاز "البلاك بري" الذي بلغ مستخدموه سبعة وثلاثين مليون شخص ، فكيف يمكن أن يعتزل الإنسان وهو يمضي جلّ وقته على الانترنت وفي قراءة الرسائل والإجابة على الهاتف الخلوي الذي لا سبيل لإسكاته حتى في أكثر الأماكن خصوصية.
وإذا كان جيلنا يفتقد لحظات الهدوء والوحدة ويشكو من زيادة المخالطة بأشكالها فأولادنا يعيشون في عالم افتراضي غيّر حياتهم تماماً ، فأصدقاؤهم على المواقع الاجتماعية مثل "فيس بوك" من كل أنحاء العالم يتفاعلون معهم ، ويلعبون معاً عبر الشاشات ، تتحدث أناملهم بطلاقة باستخدام لوحة مفاتيح ويظهرون تعابيرهم على أوجه صغيرة صفراء ، فهم اجتماعيون في العالم الافتراضي ، أما في العالم الحقيقي فهم خجولون لم يعتادوا التعامل وجهاً لوجه. ألا ترون في ذلك تناقضاً خطيراً؟ فهم اجتماعيون ومنعزلون في الوقت ذاته.
وإذا كنت اتفق مع د. القرني بقلبي التوّاق إلى إلعزلة ، إلّا أن عقلي يقول أمراً آخر فالانسان مكلف بتعمير الكون ، والتعمير يلزمه احتكاك الناس مع بعضهم وتبادل الأفكار والثقافات ، بدليل أن الإنجازات والمخترعات الحديثة جاءت من عمل الفريق ولم تأت من عزلة ، مثل وهكذا يدعو الحديث الشريف إلى مخالطة الناس والصبر على أذاهم ، فتخيلوا معي كيف سيكون الحال لو بقي سيدنا محمد (ص) معتكفاً في غار حراء ، ولو لم ينزل سيدنا موسى من جبل الطور.
ونصيحتي لكم أن تتخيروا لأنفسكم في كل يوم ساعة تغلقون فيها جميع أجهزة الاتصال ، اجلسوا وحدكم وطالعوا موضوعاً تحبونه أو اخرجوا لاستنشاق الهواء أو تأملوا بهدوء ، ففي ذلك تصفية للذهن والشعور بالطمأنينة والراحة ، وحشد النفس مرة أخرى لمواجهة الحياة والناس ، ويلخص النّحوي اسماعيل الجوهري الموضوع كلّه في بيت شعر جميل:
العز في العزلة لكنه
لا بد للناس من الناس
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور