"وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتًينَا اللّهُ مًن فَضْلًهً وَرَسُولُهُ إًنَّا إًلَى اللّهً رَاغًبُونَ" التوبة 59
مع اقتراب عطلة العيد وبعدها العودة إلى المدارس ، لا شك أنك تشعر بضغوط الحياة التي أصبحت لا تحتمل ، فبعضنا تمكن بصعوبة بالغة من تلبية جزء من متطلبات أسرته خلال الشهر الفضيل ، لكن سيكون من المستحيلات تلبية متطلبات العيد ، أو احتياجات المدارس ، وهذا عيد آخر لن يشهد عيديات للأطفال ولا ملابس حتى من البالة ، وسندعو الله أن لا يزورنا أحد ، لأننا قد لا نجد ما نكرمهم به ، وكل ذلك يثقل القلب والكاهل معاً.
سأحاول جاهداً بكافة الطرق أن أخفف عنك وعني ، وسأسعى لأدخل الطمأنينة والسكينة في نفسك ونفسي بكل الوسائل ، فاسمع مني أولاهذه القصة:
" حجرة صغيرة فوق سطح إحدى العمارات ، في بلد غير معتاد على الأمطار ، الحجرة لها جدران أربعة وباب ولكن ليس لها سقف وإنما عُلقت قماشة لتقي من لفيح الشمس ، لسوء حظ العائلة الصغيرة هطل المطل بغزارة في أحد الأيام ، فابتلت الأم وطفلها ، وفي حركة يائسة خلعت المرأة الباب ووضعته مائلاً على أحد الجدران ، واختبأت وطفلها تحت الباب ، نظرت الأم بشفقة وحزن إلى طفلها المبتل ، إلا أنه بادلها بنظرة سعادة بريئة وقد علت وجهه ابتسامة الرضا قائلاً: ماذا يفعل الفقراء الذين لا باب لمنازلهم حين ينزل المطر؟"
ترى ، هل استطعت التخفيف عنك بهذه القصة الدرامية البسيطة أم أنك إنسان عملي تؤمن بالأرقام والدراسات؟ إذن فاسمع مني: تقول آخر الدراسات أن معدل الدخل السنوي للأسرة الأردنية المكونة من 5,7 فرد هو 6166 دينار سنويا ، هل تعلم أن مثل هذا الدخل يجعل هذه الأسرة ضمن أغنى %39 من سكان العالم أجمع أي أن %61 من سكان العالم أفقر من هذه الأسرة ، وهل تعلم أن %10 من سكان الأرض يعيشون بدخل يقل عن 1,10 دولار في اليوم ، و30% يعيشون بدخل أقل من 2,33 دولار في اليوم ، وأن %75 من سكان العالم يعيشون بدخل يومي يقل عن 4,07 دولار يومياً ، فضمن أي شريحة أنت؟ وهل بدأت تشعر أنك من أغنياء العالم؟
لم تقتنع أيضاً... دعني أحدثك عن صديقي (م) أحد النشامى الأردنيين الذين يجوبون العالم مع قوات حفظ السلام ، يعود للوطن وفي جعبته قصصا مذهلة عاينها في أكثر الدول معاناة للفقر والمحن ، فإن كان منزلك يضيق بعائلتك فقد رأى صديقي قرى كاملة أفخم منزل فيها عبارة عن غرفة صغيرة سقفها من أغصان الأشجار ، وإذا انقطعت الكهرباء لدينا لسويعات ، تذكّرأن مدناً كاملة تنام في العراء تحت أضواء الشوارع ، وإن شعرت بضيق كلما نظرت إلى أثاثك البالي الذي لا تملك أن تجدده ، فتخيل المشهد عند مرور موكب قوات حفظ السلام يخرج أطفال القرى على أمل أن يرمي أحد الجنود زجاجة مياه فارغة ستكون بالنسبة لهم أهم مقتنياتهم ، وإذا لم يأكل أولادك اللحم على الإفطار تذكر أن أكثر من ثلاثين شخصاً يموت من الجوع يومياً ، هل تعرف أحداً أو حتى سمعت عن أحد مات من الجوع؟،
كل ما سبق مستوحى من حديث رسولنا صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه"انظروا إلى من هو أسفل منكم ، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم ". فلنحمد الله سبحانه وتعالى على نعمه التي لا تحصى ، وعندما نقارن أنفسنا بشعوب العالم فسنعرف كم نحن محظوظون ، وإن كان دخلنا قليلاً ، فأولادنا يلبسون ويأكلون و لديهم سقف ينامون تحته. هل نجحت في إدخال التفاؤل إلى نفسك أم أنك سترد علي وتقول:"من يده في الماء ليس كمن يده في النار" ، وستضيف "هل نام أطفالك جياعاً ذات مرة؟ وهل اشتهى طفلك لعبة لم تشترها له؟ إذاً فدورك أن تسمع مني وسأحدثك عن الفقر بدلاً من أن تعظني" ، وعندها سأحسم النقاش بقول الشاعر:
لا تكن للعيش مجروح الفؤاد
إنما الرزق على رب العباد
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور