"الاقتصاد المستقبلي الناجح هو الاقتصاد المبني على المعرفة"
عبدالله الثاني ابن الحسين
مع بدء العام الدراسي الجديد ، وكأي شخص في مثل عمري يواجه ما تم الاصطلاح على تسميته"أزمة منتصف العمر" ، يفكر فيما فاته من العمر الذي ذهب سدى ولم يحقق آماله وتطلعاته ، ومن ضمن ما توقفت عنده كثيراً أن التخصص الذي درسته في الجامعة شأني شأن الآلاف المؤلفة من أبناء جيلي ومن جاء بعدهم لم يكن اختيارنا أبداً ، فنحن أصلاً لم نكن نعرف ما نريده ، وحددت لنا القائمة الظالمة ، قائمة القبول الموحد في الجامعات ، مسار حياتنا ، مصنفة تخصصاتنا بحسب المعدّل ، فقتلت كل الطموح لدينا ، وانتهى الأمر بمعظمنا إلى موظفين ، لا همّ لنا إلا انتظار آخر الشهر للحصول على "الرويتب" لنصرف على عائلاتنا ، وكان الأجدى بنا شأن المجتمعات الأخرى أن تبيَّن لنا حاجات مجتمعنا وخياراتنا ، وأن نخطط لما نريد دراسته على أساس نواحي القوة لدينا ، وأن ندرس المواد التي نجد فيها أنفسنا ، وإذن لكنّا من المبدعين ، ولأحببنا وظائفنا ، ولعلنا حققنا ذواتنا بدلاً من أن نندب حظوظنا.
المشكلة أن برنامج القبول الموحد يحاكي عقلية المجتمع الأردني التي لم تتغير منذ عشرات السنين ، فقائمة التخصصات تبدأ بالطب والهندسة وتنتهي بالشريعة والتربية الرياضية في كل الجامعات ، أما الرغبات والقدرات الفردية والتفضيلات الجغرافية فلا وزن لها ، ونتج عن ذلك ضعف في مستوى خريجي الجامعات ، فترى خريج التربية الرياضية لا علاقة له بالرياضة إلا من رحم ربي ، وربما أصبح خريج الشريعة شيخاً لأنه لم يتمكن من أن يدرس مساقاً آخر ، وكثيراً ما يترك طالب حُلمه الدراسة لأن معدله حذف به إلى جامعة تبعد عنه مئات الكيلومترات. وينتهي إعلان النتائج دائماً بموسم عارم لطلبات الانتقال ممن تمرّدوا على قرارات الكمبيوتر العمياء محاولين تغيير مصائرهم.
إن من الواجب علينا أن نوفر لأبنائنا أمرَين ، النصيحة للمساقات المرغوبة في سوق العمل ، والتخصصات التي يرغبون فيها ، ولا شك أن القائمة الموحدة تسبب أزمة حقيقية لسوق العمل ، ويكفي أن نعرف أن %70 من الخريجين عاطلون عن العمل بعد السنة الأولى من تخرجهم ، وأن نسبة البطالة للأعمار التي تقل عن الثلاثين عاماً تبلغ %75 من نسبة البطالة العامة التي تزيد عن %12 ، فكيف إذاَ سنستطيع استيعاب 35 ألف شخص جديد في سوق العمل سنويا.
تقول الدراسات أن الوظائف المستقبلية تحتاج إلى تخصصات دقيقة ومهارات كبيرة ، وأن هناك وظائف في طريقها إلى الانقراض كمدخلي البيانات ، والعاملين على الأجهزة المكتبية ، ومأموري المقسم ، وقارئي العدادات ، وموظفي البريد والخياطين والكيميائيين.
وهناك وظائف ستكون دائماً مطلوبة وهي وظائف تحتاج إلى مهارة كالحلاقين والطباخين والحدادين والسباكين والكهربائيين والخبازين ومدربي الرياضة والطيارين.
وأكثر الوظائف التي ستكون مطلوبة خلال الخمسة أعوام القادمة هي تلك المتعلقة بالصحة المنزلية ، والاستشارات الإدارية والخدمات الوظيفية ، والمؤسسات التعليمية و المطاعم ، والمستشفيات والوظائف الحكومية.
وأهم القطاعات النامية على الإطلاق هي علم الخلايا الجذعية والفيروسات وصناعة التسلية والتقنيات الحيوية.
وزبدة القول أن مؤسساتنا التعليمية يجب أن توفر في كل عام معلومات كافية عما يحدث في سوق العمل وما هي الوظائف المطلوبة ، وعلى جامعاتنا أن تجد بديلاً عن القائمة الموحدة للقبول في الجامعات فهو مقياس غير عادل أبداً ، فهناك مقاييس أخرى يمكن أن تطبق في المدارس لمعرفة مواطن القوة لدى الطلاب ، وأنصح الآباء والأبناء أن يخططوا ملياً للمستقبل وأن يتركوا الاختيار ما أمكن للأبناء لدراسة ما يحبونه بعيداً عن عقدة الطب والهندسة.
وأترككم لما قاله مكسيم غوركي: "ليس كافياً أن نعرف واقعين اثنين هما الماضي والحاضر ، بل من الضروري معرفة واقع ثالث هو واقع المستقبل".
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور