إذا عرف الكذاب بالكذب لم يزل
لدى الناس كذاباً وإن كان صادقاً
«الكريزي»
سؤال .. ما الفرق بين بوش وبلير ، الأول رمي بحذاء شهير في آخر زيارة له للعراق ، والثاني رمي بعشرات الأحذية مؤخراً أثناء توقيعه كتابه الجديد "رحلة.. حياتي السياسية" في مدينة دبلن ، وحمل المحتجون يافطات كتب عليها مجرم الحرب والإرهابي ، مما حدا به إلى إلغاء احتفالات مشابهة.
لقد أساء توني بلير في اختيار عنوان كتابه فكان من الأجدى أن يسميه كذبة ، ولم يذكر في كتابه كذبته التي سوقها على الرأي العام البريطاني لإسقاط صدام حسين واحتلال العراق من خلال تقديمه تقارير مخابراتيه مفبركة تدّعي أن صدام حسين يملك أسلحة دمار شامل وأنه يشكل خطراً على بريطانيا ، وأن الحرب على العراق جزء من الحرب على الإرهاب ، فكلاهما - صدام والإرهاب - يكرهان الغرب؟، وقد ضغط بلير على رجال المخابرات لتقديم هذا التقرير الذي لم يكن سوى رسالة ماجستير قدمها طالب عراقي في إحدى الجامعات الأمريكية.
حاول بلير إقناعنا في كتابه بأن قرار احتلال العراق كان صائباً ، وأنه غير نادم ، ولو عادت الأيام به لأخذ نفس القرار ، فانطبق عليه المثل الإنجليزي "إنكار الخطيئة يعني ارتكابها مرتين" ، وكان بشعا جداً قوله إن صدام حسين قتل من العراقيين أكثر مما قتلته قوات التحالف ، وإذا لم يشعر بلير بأية خطيئة تجاه الضحايا الأفغان والعراقيين ، فهو بالتأكيد يشعر بنوع من تأنيب الضمير تجاه قتلى قواته ، ولهذا رصد كامل ريع الكتاب لمؤسسة خيرية تعنى بمعاقي القوات البريطانية في حربي العراق وافغانستان ، ومن المؤكد أن ملايين الكتاب لن تعيد لجندي يده أو رجله التي فقدها في حرب باطلة حققت مصالح الصهيونية واليمين الأمريكي المتطرف.
يبرر بلير في بداية كتابه تبعيته للولايات المتحدة ولكن بشكل غير مباشر ، فيجيب على مقولة بوش الشهيرة التي كان دائماً يكررها "لماذا يكرهوننا" فيقول إن مشكلة أمريكا أنها تريد أن تصبح محبوبة ولكنها تعرف أن ذلك مستحيل ، فالحب يُمنح للدول والشعوب التي تمر بالأزمات. أما الدول القوية فإنها تحترم وتخشى ، ويعترف بحبه الجارف للولايات المتحدة والمبادىء التي تقوم عليه ويعتبرها "ابن العم".
ولا شك في أن بلير كان يعرف بالمشروع الامبراطوري الأمريكي التوسعي ، الذي غُلف بمفاهيم مكافحة الأرهاب ، ويعرف أيضاً أن هذا المشروع لا يقبل المشاركة فاختار التبعية لعله يصيب جزءاً من المكتسبات.
فالكذبة ، والتبعية ونتائج الحرب المدمرة والخسائر التي تكبدتها بريطانيا في حربي العراق وأفغانستان ، كلها أدت إلى تدنّي شعبية بلير داخل حزبه ولدى الرأي العام ففقد رئاسة حزب العمال عام 2007 وبعدها رئاسة الوزراء.
يقدم بلير نفسه في كتابه على أنه زعيم عالمي مسؤول عن أمن العالم ، ويؤمن بأن الحرب هي وسيلة لإخافة وتعليم الآخرين ، وأن القاعدة الأولى في السياسة هي "لا توجد قاعدة" ففرّغ السياسة من أية اعتبارات أخلاقية أو مبدئية وعندما يتحدث عن الشرق الأوسط فإنه ينظر إلى دوله على أنها تحتاج إلى مساعدة للوصول إلى خطاب إسلامي جديد متوافق مع العصر الحديث.
ويختم كتابه فيقول "لقد انتهيت قائداً مختلفاً عما بدأته" ، نعم ، فقد بدأ شاباً لم يتجاوز عامه الرابع والأربعين كرئيس وزراء بريطانيا يتمتع بشعبية جارفة وانتهى كسياسي مشكوك في مصداقيته ، وسيذكر التاريخ أنه الرئيس الذي خدع بلاده ودخل في حرب دنيئة وجعل بريطانيا العظمى تسبح في الفلك الأمريكي قرارها بيد غيرها ، ولا شك أن كتابه قد كتب بدماء ملايين الأطفال في العراق وأفغانستان وبدموع الأمهات الثكالى والزوجات الأرامل. ويقول أمناء المكتبات أن كتاب بلير يجلس على أرفف كتب الجريمة أو القصص الخيالية؟،.
وأختم بدعاء أفضل الخلق سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) "اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء".
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور