تعودت مس الضر حتى ألفته

وأحوجني طول العزاء إلى الصبر

"أبو العتاهية"

أرفع الطاقية وأنحني احتراماً لأخواننا في الكويت ، حيث تجري حملة شعبية قوية لمقاطعة الخضروات بسبب ارتفاع أسعارها المسعور ، وتحمل هذه المقاطعة عنوان "خلوها تخيس" ، أي دعوها تتلف.

بدأت هذه الحملة بدعوة من أحد المنتديات ، وما لبثت أن انتشرت بشكل كبير وتفاعل معها الناس وكتبت عنها الصحف ودعمها الكتاب والمفكرون ، وركب النواب الموجة لتحقيق مآرب سياسية ، ويقال إنها أدت بالفعل إلى نتائج ملموسة ، فالأسعار تراجعت في أول أسبوع من %25 - 40%.

أسعار الخضار لم ترتفع في الكويت فقط ، وإنما ارتفعت لدينا أيضا بشكل مخيف ، ولكننا لم نتحرك ، وجل ما فعلناه أننا تذمرنا في مجالسنا وقرأنا بعض المقالات والتحقيقات هنا وهناك ، ومن قاطعها قاطعها لسبب واحد لأنه لا يملك شراءها.

ولأننا ساكنون ومخالبنا تنهش بعضنا لأتفه الأسباب فإننا غير موجودين في حسابات أحد ، فالسياسيون يأخذوننا يمنة ويسرة ، والتجار يضعون الأسعار التي تعجبهم دون الخضوع لقوانين العرض والطلب ، وحتى مع الارتفاع الهائل في أسعار البندورة وندرة المحاصيل التي نجت من الآفات ، فقد تم تصدير معظم محصولنا إلى الخارج ، وهكذا حرمنا منه وقاطعه أشقاؤنا في الكويت.

في الكويت التي يزيد معدل دخل الفرد فيها عن المواطن الأردني بحوالي سبعة أضعاف وكان في سنوات ماضية الأعلى في العالم ، يتحرك الشعب هناك ويقاطع عندما يشعر بالظلم ، أما نحن فنقف ، وكأن الطير على رؤوسنا ، وهذا يحتاج لنظرة جلية وتحليل عميق .

المقاطعة هي من أهم الوسائل للدلالة على الرفض والاحتجاج ، ومقاومة الظلم والتهميش ، وهي أسلوب حضاري بعيد عن العنف والتظاهر والاحتكاك والشعارات واللافتات. ذلك أنه كلما مرت سلعة من صندوق الدفع فهذا يعني أن مشترياً أدلى بصوته لصالح تلك السلعة وسعرها وسياسات مصدرها وما تمثله علامتها التجارية.

والأمثلة كثيرة وواضحة على النتائج الفعالة للمقاطعة ، فشركة لوازم الرياضة التي قاطعتها الشعوب المسلمة لظهور كلمة هواء بشكل يشبه لفظ الجلالة على أحذيتها ، سحبت أحذيتها من الأسواق واعتذرت علانية بل وقامت بإنشاء حدائق لها في التجمعات المسلمة في الولايات المتحدة. والمطعم الشهير الذي قوطع في بداية الإنتفاضة الثانية اضطر للإعلان عن تبرعه بريال من قيمة كل وجبة لمصابي الانتفاضة من الأطفال.

حتى أن المقاطعة والاحتجاج السلبي قد حققا مكاسب أكبر من ذلك ، فغاندي قاد الهند للاستقلال وتعديل قوانين التمييز بالاحتجاج السلبي ، وقاد مسيرة الملح الذي كان يحصر حق استخراجه وتصديره للإنجليز.

لماذا لا نوجه المال الذي بأيدينا مهما قل أو كثر في الاتجاه الذي يتفق ومبادئنا وتطلعاتنا؟ من الضروري أن نبدأ بإدراج ثقافة المقاطعة ضمن بناء مجتمعنا ، وأن نزيد الوعي بجدوى المقاطعة خاصة عندما توجهها حركات شعبية تتصدى لكل من يسقطنا من حساباته: ليتنبّه لوجودنا وقدرتنا على التأثير في قراراته. وواجبنا أن نغرس في أطفالنا رفض الذل والغبن ، وفرض احترام الآخر لنا.

فمن يرفع علينا الأسعار بصورة غير مبررة فلنقاطعه ، ومن يسب علينا في وسائل إعلامه فلنقلب عن قناته ، ومن يتهمنا ظلماً بأننا وراء التشويش عليه فلنضع كرت اشتراكه في سلة القمامة ، ولنفكر مليا قبل أن نشتري سلعة إن كانت دراهمنا ستدخل جيوب أعداء لنا ولمبادئنا وأوطاننا.

أضعف الإيمان أن نتصرف بإيجابية في الأسواق عند شراء أقواتنا وحاجاتنا بدلاً من أن نلعن حظنا وندفن رأسنا في التراب ، خاصة وأننا أمام هجمات شرسة منظمة ، وأمام مواقف معلنة معادية لشعوبنا ، فقد قال رسولنا (صلى الله عليه وسلم): "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   اسماعيل الشريف   جريدة الدستور