«جامعة بلا شخصية وميثاق بلا أخلاق»
أحمد الشقيري
قبل فترة صرّح السيد عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية أنه لن يرشح نفسه لدورة جديدة كأمين عام ، ولأن السيد عمرو موسى معروف بتصريحاته الجريئة وتسميته الأشياء بأسمائها - ولعله نُقل إلى الجامعة العربية لهذا السبب - فإنني سأتحدث وأبدي رأيي بصراحة ولا أقصد بأي شكل التحامل عليه أو على جامعتنا العربية ، فكما يقول بيدل: "الحقيقة دائماً تؤلم من تعوّد على الأحلام".
سمعنا مثل هذه التصريحات مراراً من السيد عمرو موسى ، إلاّ أن الكرسي له بريقه الجذاب ، وكأي عربي في أي موقع فإن فكرة التنازل عن الكرسي لشخص آخر تعتبر ضرباً من الخيال ، حتى ولو كان ذلك يصب في مصلحة الأمة وحتى لو فشل ذلك المسؤول في عمله.
كأمين عام ، فإن السيد عمرو موسى لم ينجح في عمله في أيّْ من القضايا العربية ، فلا هو صالح الفلسطينيين ولا كان للجامعة دور يذكر في العراق أو الصومال أو دارفور ، ولأكون صريحاً أكثر ، فقد وقع الأمين العام في زلّتين كبيرتين تركتا أثراً كبيراً لدى الشعوب العربية ، أُولاهما أنه العام الماضي لم يلحق بأوردوغان الذي دخل قلوب العرب حين انسحب محتجاً على عدم إعطائه الوقت الكافي للرد على بيريز. أما الثانية فهي زيارة عمرو موسى المتأخرة جداً لغزة بعد أربع سنوات على الحصار وأكثر من عام ونصف على الحرب الإسرائيلية الهمجية ، وجاءت الزيارة بعد أن أحرج الأتراكُ العربَ مرة أخرى في حملة أسطول الحرية.
وحتى لا نظلم الرجل ، فالمنظمة التي يرأسها أصبحت للأسف جثة هامدة ، وقد تكون أفشل منظمة إقليمية على مستوى العالم مع أنها تمثل رابع أعلى كثافة سكانية في العالم ، وأكبر رقعة جغرافياً ، وأغنى الدول ، وبالإضافة لفشلها السياسي فإنها حققت فشلاً موازياً من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية. ولك أن تتخيل أننا بعد خمسين عاما ما زلنا نخطط لرأب الصدع وندعو للعمل العربي المشترك.
وأرجو أن لا أكون محقا ، فقد خلقت الجامعة عام 1945 بناءً على عطف من حكومة صاحبة الجلالة على الحركات القومية العربية التي تدعو للوحدة العربية ، وصدر هذا القرار عام 1943 ، فكيف ستعمل منظمة خلقتها بريطانيا على وحدة العرب ، وفي ذلك يقول أحمد الشقيري: "إن الجامعة العربية سارت بخطوات على طريق التجزئة والانفصال ، وألقت الوحدة العربية في سلة المهملات مع الفضلات ، فكيف تكون جامعة وكيف تكون عربية" ، وأضيف: أصبحت الجامعة أداة للقوى العظمى لإعطاء الغطاء والشرعية لتمرير أي قرار تريده حتى ولو أضر بمصالح الأمة وكان آخرها الموافقة على إطلاق المفاوضات المباشرة واختصار القضية في وقف الاستيطان للعودة الى المفاوضات.
وما عليك عزيزي القارئ إلا أن تستدل على فشل الجامعة العربية بعدم جدية أي من مؤتمرات القمة الأخيرة ونظرة الشعوب لها ، وامتداد ذلك حتى إلى الزعماء العرب الذين يعبرون عن إحباطهم يشكل صريح في اجتماعات القمة ، فأصبحت القمم العربية فرصة جيدة لجلد الذات والبكاء على أطلال الماضي.
كتبت كوكب الريس كتاباً بعنوان "جامعة الدول العربية.. ماذا بقي منها" ، وهي التي تعرف الجامعة عن قرب ، فقد عملت فيها ما يقارب العشرين عاماً ، تقول أن الموظفين محبطون ومهمشون ، ويموتون مبكراً نتيجة للضغوط النفسية والقهر ، وأن معظم الموظفين يمثلون جنسيات بعينها لا تتجاوز الثلاث ، ولا توجد أية عدالة في توزيع المناصب.
إزاء ذلك ، فإنني أشد على يد السيد عمرو موسى بعدم ترشيح نفسه لمنصب الأمين العام ، وإتاحة المجال أمام شخصية عربية جديدة لتولي هذا المنصب ، ونرجو من القيادات العربية أن ترشح خيرة الخيرة لتولي هذا المنصب ، ونأمل ألاّ يقتصر هذا المنصب على أي من الدول ، وأن يعطى لمن يفوز به في انتخابات ديمقراطية نزيهة.
وأدعو القيادات العربية لوقفة حقيقية لإعادة هيكلة شاملة لجامعتنا العربية ، بحيث لا تقتصر العضوية على العرق أو الثقافة ، وإنما تشمل الجغرافيا ، وتسمح لدول مثل تركيا أن تنضم إليها ، وأن تكون العضوية اختيارية ولكن قراراتها ملزمة لأعضائها.
لعل ذلك يكون نواة لمنظمة عربية إقليمية قوية تدافع عن مصالحنا وحقوقنا وتجعل لنا صوتاً مسموعاً بحيث تأخذنا الدول بشيء من الجدية ، خاصة وأن المستقبل للتكتلات ، ولنضع نصب أعيننا نجاح الاتحاد الأوروبي الذي يضم دولاً لا يربطها أي رابط سوى مصلحة شعوبها ، أما نحن فيربطنا الكثير وتفرقنا الإرادة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور