"إذا وُسًّدَ الأمرُ لغير أهله فانتظر الساعة"

(حديث شريف)

كم هو صعب المشي في الشوارع هذه الأيام ، فصور وملصقات ويافطات السادة المرشحين لمجلس النواب تحجب الرؤية ، وقد تتعرض للدهس بسببها في بلد لا يُحترم فيه الماشي أصلاً.

تنظر إلى صور المرشحين ، فتكتشف أنها ذات الوجوه التي طالعتك طوال الانتخابات الماضية ، اللهم إلا أنها شاخت قليلاً ، فالأصلع زادت صلعته والشايب اشتعل رأسه كاملاً ، إلا من استخدم برامج النشر لتظهره بصورة أبهى وأجمل ، وتلوّنه بالرصانة والنظرة والملائكية ، وكأن المسوح هي التي تصنع الراهب.

يكاد يكون المرشحون هم بالضبط نفسهم الذين أفرزهم الناخبون لمجلس النواب السابق ، ذلك المجلس الذي لم ينجز أكثر من حفنة مصالح شخصية ضيقة ، حتى ضاق به صدر سيد البلاد فحلّه ، وسَعًد الشعب بهذا القرار.

وتتذكر وجوهاً أخرى خاضت الانتخابات الماضية ، وكانت حصيلتها بضعة أصوات لا تتجاوز أصابع اليدين ، ومع هذا قررت خوض التحدي مرة أخرى. هل هو الطمع أم الغيرة؟، فعندما تدخل الغيرة إلى الرأس تخرج الحقيقة ، كما يقول المثل الأرجنتيني.

ووسط غابة متشابكة من الشعارات السطحية والمكررة والمبتذلة أحياناً ، وحتى "الشعارات" ، تتساءل هل تستطيع أن تنتخب مرشحاً يلوّح للماشي أو السائق الآمن بعذاب النار وبئس المصير ، أو مرشحاً يضع ألف واو الجماعة بعد كلمة "أرجو" ، أو مرشحاً شعاره شجرة العائلة ، أو مرشحاً اسمه مسبوق بثلاثة ألقاب ستصل إلى ستة في حال فوزه بعد إضافة "سعادة" "النائب" "المحترم" ، أو مرشحاً ضيّع "الأمانة"؟ وللأسف لم يبق من الحيتان إلا القطط السمان.

اطمئنوا ففي هذه الانتخابات لن تكون هناك أية تفضيلات ، ولن نرى أضواء حمراء ولا خضراء. ولكن النتيجة لن تكون مختلفة لأنه ، كما يقال ، المكتوب يُعرف من عنوانه ، ولا أعتقد أن هذا المجلس سيكون أفضل من الذي سبقه ، أو أن الإقبال والتصويت سيتجاوز مستواه في المرة السابقة ، على الرغم من محاولات الحكومة الكبيرة لإنجاح هذه الانتخابات ومشاركة كافة الأطياف السياسية.

فهذه الحكومة تحصد ما زرعته الحكومات السابقة ، عندما قدمت مشروع قانون الصوت الواحد ، واستخدمت كل الوسائل حتى أقره البرلمان ، إضافة إلى الضغوطات التي مارستها للتأثير على نتائج الانتخابات السابقة بحيث أصبح النائب مندوب خدمات لا علاقة له بالسياسة ، وبالتالي فُرّغ البرلمان من مضمونه وأصبح لوحة خلفية باهتة للمشهد الديمقراطي.

كثير من المرشحين فهموا تعبير "العرس الديمقراطي" على نحو خاطئ ، فاختزلوا الموضوع بتلميع صورهم ونصب الصيوانات والمناسف والأغاني ، وتكديس الألعاب النارية ، وتقضي خطتهم أن يذهب الجميع لبيوتهم بينما يجمع الفائزون الهدايا ، والجري للمتاعيس،.

قلّما نسمع عن مرشحين قدّموا خطة جادة لتشريع قانون ما ، أو عبروا عن رأي عميق في قضية ما ، ربما لأنهم يعلمون أن يداً واحدة لا تصفق ، كما أن صوتاً واحداً لا يمكن أن يكون "مدوياً".

وهنا أسجل عتبي على أحزاب المعارضة والأحزاب الأيديولوجية لمقاطعتها الانتخابات ، لقد خذلتنا جميعاً ووأدت أي طموح لدينا لإحداث تغيير إيجابي ، ووقف انجراف السلطة التشريعية وراء السلطة التنفيذية بحيث أصبحت إحدى مؤسساتها. ولو شاركت تلك الأحزاب بمقاعد محدودة وسلطت الضوء على أجنداتها وطرق عملها وسعت لاستقطاب الناخبين في الانتخابات التالية لَكان أفضل من أن تدفن نفسها في حياتها ، فرحلة الألف ميل تبدأ بخطوة.

لهذا عزيزي القارئ ، يجب عليك أن تنتخب وتختار من تجده أهلاً لصوتك ، وسأجتهد لأنتخب من له تاريخ لا غبار عليه في قضاء حوائج الناس ومد يد العون ، أما المجلس الذي سيدعو إلى تنسيق عربي جاد ، ودعم القضية الفلسطينية ، واستخراج الزيت الصخري ، والتصدي الجاد الحقيقي للفساد والمفسدين ، ولديه برامج وخطط لمحاربة الفقر والبطالة وحماية البيئة والنهوض بالبلد ، فسأنتظره بفارغ الصبر.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   اسماعيل الشريف   جريدة الدستور