"الشريف من يرجّح الفكر في الكلام ، ويطلب الفضيلة على الفكر"

"فينيلون"

احتقن وجه ساركوزي ثم زمجر في وجه مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون العدل بعد أن أدلت بتصريحات قارنت بين الاضطهاد الذي تعرض له الغجر في فرنسا ، وإزالة مخيماتهم وتسفيرهم ، وبين الممارسات التي قامت بها النازية ضد الغجر إبان احتلال فرنسا ، وقالت لم أكن أعتقد أن أوروبا سترى مثل هذا التمييز العنصري ، وبرر ساركوزي غضبه فقال أنه غضب دفاعاً عن شرف فرنسا،،.

ساركوزي نفسه لم يغضب ولم يسخن دمه عندما دعته زوجته (كارلا بروني) على العشاء في عيد الميلاد الماضي ، وضم العشاء أيضاً جميع عشاق زوجته السابقين ، وجلّ ما فعله أنه قال إنه لم يكن مرتاحاً في ذلك العشاء ، كما ولم تتحرك له شعرة بعد أن صدر مؤخراً كتاب كامل عن زوجته بعنوان "كارلا والطموح" ، يفضح علاقات زوجته غير الشرعية.

ففي فرنسا ، الرئيس ينتفض فقط لشرف بلاده وكرامتها ، أما مسألة شرفه هو فهي مسألة خاصة ثانوية.

يحدث هذا في الغرب ، أما في عالمنا العربي فقد قمنا باختصار الشرف في الأعراض فقط ، ورددنا بيت شعر المتنبي كمن ينعق بما لا يسمع:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى

حتى يراق على جوانبه الدم

أمّا احتلال الأوطان ، وحرق وسرقة محاصيل الزيتون العائدة للفلسطينيين ورقص الجنود الصهاينة حول السجينات الفلسطينيات وتحرّش الكلاب بنساء أبوغريب ، واغتصاب السجينات في سجون الأمريكان في العراق ، والصهاينة في فلسطين ، وحصار الأشقاء ، والظلم الذي يمارس على الناس ، وخروجنا بالملايين فقط لمشاهدة مباراة كرة قدم ، والتضحية بكل شيء في سبيل الحفاظ على الكراسي ، وتنازلنا عن دماء أطفال غزة والعراق ، فكل ذلك سمّه أي شيء إلا قلة شرف.

وبالطبع أيضاً ، فالرشوة والكذب وسرقة المال العام والفساد الإداري وانهيار الأخلاق لا علاقة لها بالشرف.

لا أيها السادة الكرام ، فصون الشرف ليس محصوراً في أعراضنا ، وإنما هو منظومة متكاملة من الصفات والسلوكيات تشمل الكرم والنّخوة والشجاعة والكرامة والاحترام والنزاهة والأمانة والعمل والأخلاق.

وللمقارنة أذكر قصة لكاتب عربي مهاجر يقول فيها أن عجوزين عربياً ويهودياً اجتمعا في أحد مقاهي فلسطين ، فجاءت ابنة الصهيوني المجنّدة العسكرية بصحبة صديقاتها وأصدقائها ، فقبّلتهم ولاطفتهم جميعا عند وداعهم ، فالتفت الفلسطيني إلى الإسرائيلي ، فقال له: صحيح أنك عديم شرف ، كيف تسمح لابنتك بهذه الأعمال الشائنة أمامك ، أجابة الصهيوني بتهكم: إنك أنت عديم الشرف ، كيف تسمح لوطنك أن يحتل ، ابنتك تتبرأ منها وزوجتك تطلقها ، أمّا احتلال وطنك فيبقى وصمة عار في جبينك.

وهذا هو المفهوم النسبي للشرف ، وبالمناسبة ، فقد اهتدى الصينيون لمنتج صناعي يرقع الشرف ، أما شرفنا العربي الذليل فلن تستطيع إصلاحه مصانع الصين وإنما وصفته معروفة للجميع ولكن يحتاج إلى إرادة.

إنني كرجل عربي أحرص على الشرف العربي ولكنني أريده هذه المرة ممزوجاً بالشرف الفرنسي ، وإلا فستكون أبيات شعر الشاعر الفلسطيني الراحل معين بسيسو حاضرة أمامي:

فلا عذراء نخلتكم

ولا عذراء مرتعكم


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   اسماعيل الشريف   جريدة الدستور