ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدواً له ما من صداقته بد
«المتنبي»
سمّني عنصريّاً إذا شئت ، أو حتى معادياً للساميّة ، ولكنني أقولها بأعلى صوتي ، لقد أصبحت مشاهدتي للصهاينة المحتلين "تضرب على عصبي" كلما أطلوا من إحدى محطات التلفزة العربية ، وكلّما أسمع "عربيّتهم المكسرة" أقلب القناة.
لا أريد أن أسمع عبارات أو أكاذيب تستفز مشاعري ، على غرار أنهم بنوا حضارة في فلسطين منذ آلاف السنين عندما كنا نئد بناتنا ، ونتعاطى الخمر ، ونعبد اللات والعزى ، أو أنهم واحة الديمقراطية والإنسانية في المنطقة ، والكل يكرههم ويعاديهم لا لشيء إلا لتفوّقهم ورقيّهم.
بتواطؤ من البعض تدعمه رؤوس أموال صهيونية وتحت ستار الرأي والرأي الآخر أو اعرف عدوك ، وفّرنا للصهاينة نافذة لم يكونوا يحلمون بها لحمل رسالتهم إلى ملايين من العرب وإيصال صوتهم ، وطرح وجهات نظرهم ومناقشتها ، أنها دعاية مجانية لهم ، من خلالها يقلبون الحقائق ويكذبون بوقاحة ويرسخون مفاهيم جديدة في العقول العربية ، ويمسحون ذاكرة وثقافة أمّة بحالها.
تقول "أورون" أول متحدثة بالعربية باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية: "من خلال القنوات العربية نستطيع أن نقول نحن هنا ، وأن إسرائيل أكثر من مجرد طرف في الصراع الفلسطيني ، وليس كل الإسرائيليين وحوشاً بقرون في رؤوسهم".
بالنسبة لي الهدف واضح من هذا كله ، فمن خلال إعطاء الصهاينة الفرصة للنقاش والتعليق وطرح أفكارهم ومنطقهم تضمحل الفروق بين الظالم والمظلوم ، والقاتل والمقتول ، ويتساوى البريء بالمجرم ، فتتشوّش صورة المدافعين العزّل الذي يدفعون ببسالة عدوّا شرساً يغصب أرضنا ومقدساتنا ، وترتسم في ذهن المشاهد صورة رُسمت بعناية لمناوشات بين مجموعة معزولة من المخربين وبين جيش الدفاع "المتحضّر" ، في نزاع ممل لا علاقة للمشاهد به ، وهكذا تبدأ بالتعوّد عليهم وتألفهم ، وتنقلب لديك المفاهيم وتبدأ بتصديق ما يريدونه.
ولتكتمل الصورة ، فالمذيع العربي يسمح له بالصراخ والاحتداد عند مناقشة أحد هؤلاء "الضيوف" ، الذي عادة ما يكون وسيماً ومتحدثاً لبقا ومتأهباً ، وهؤلاء يتم اختيارهم بعناية ويخضعون لتدريبات مكثفة ، ويكررون مصطلحات وعبارات اخترعتها لجان من المختصين الإعلاميين ، وبالتالي يغلًب منطقهم منطق مذيعينا الذين يقدمون النشرات بشكل جيد ، أمّا المناقشات السياسية فهم غير مؤهلين لخوضها ، وبالتالي يخسرونها كثيراً.
وتفاقم الأمر حتى أصبحنا نستمع لأخبار وتعليقات صحفهم تتصدر نشراتنا دون رقيب أو حسيب ، وكثيراً ما تكون أخباراً كاذبة ملفقة أو بالونات اختبار.
ولم تكتف هذه المحطات بذلك ، بل أصبحت تردد مصطلحاتهم ، فصرنا نسمع "يهودا والسامرة" بدلاً من الضفة الغربية ، و"دولة إسرائيل" بدلاً من الكيان الصهيوني ، والتطبيع بدلاً من الاستسلام ، وحائط المبكى بدلاً من البراق ، والمستوطنات بدلاً من المستعمرات ، والإرهابي بدلاً من المقاوم ، والجدار الآمن بدلاً من جدار الفصل العنصري.. ومن لا يستخدم هذه المصطلحات فمصير قناته التشفير.
لا أريد أن أراهم أو أسمعهم تحت أي ذريعة أو تسمية ، ثمة ألف طريقة وطريقة لأعرف تفكيرهم ومخططاتهم ، وإذا ما أردنا أن يختفوا عن شاشاتنا فما علينا سوى أن نقلب القناة عندما نشاهدهم فنجعلهم يتحدثون لأنفسهم أو لأذنابهم وأعوانهم.
ومن يعتقد أن ظهورهم المستمر في إعلامنا لا يخدم مصالحهم فليقرأ معي ما كتبه الحاخام "ديريشورل" سنة :1869 "إذا كان الذهب هو القوة الأولى فإن الصحافة هي القوة الثانية ، ولكن الثانية لا تعمل من غير الأولى ، وعلينا بواسطة الذهب أن نستولي على الصحافة ، حينما نستولي عليها نسعى جاهدين لتحطيم الحياة العائلية والأخلاق والدين والفضيلة".
أما نحن فقد دسسنا تحويشة عمرنا في جيوب أعدائنا ثم قدمنا كل الدعم للقنوات التي يمتلكونها دون مقابل.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور