عـدو راح في ثـوب الصديـق
شريك في الصبوح وفي الغبوق
له وجهان ، ظاهره ابن عم
وباطنـه ابن زانيـة عتيـق
«دعبل الخزاعي»
كنت وأصدقائي الذين جمعتني بهم رحلة عمل إلى ألمانيا نتحدث في سيارة الأجرة عن الهدايا التي اشتريناها والمطعم الذي سنتناول فيه عشاءنا ، عندما سألنا السائق بلهجة فلسطينية قديمة "من وين إنتو يا شباب" ، وقال بدوره أنه فلسطيني وتحديداً من عرب 48 ، وأشد ما يكره أن يقال "عرب اسرائيل" ، مفتخراً أنه اعتقل وعُذّب وأن الشيخ "رائد صلاح" كان زميله في المدرسة ، وعزمي بشارة صديقه وإن اختلف معه سياسياً ، فهو صديق لكل من يقاوم الصهاينة مهما كان فكره السياسي ، وختم حديثه الرائع المشوّق بعبارة ما زالت تطن في أذني "إننا في 48 نؤمن أن فلسطين لن تعود إلا بالمقاومة".
خلال الأيام القليلة الماضية ألحّت علي هذه الجملة كثيراً وأنا أسمع البيانات الانتخابية لبعض الأحزاب الأردنية ، التي قالت بصريح العبارة أن السلام هو "الخيار الوحيد" لحل قضية فلسطين ، وتذكرت لقاءنا مع المسؤول الكبير الذي أحضر أوراقا منسّقة ، وطلب الملف تلو الملف وهو يجيب عن الأسئلة الاقتصادية ، ويتحدث عن خططه وطموحاته التي بناها على فرضيّة أن كل همّنا أن نأكل وننام ونستهلك. عندما سئل لماذا هذا الإصرار على السلام مع طرف لا يريده ، أجاب بشكل مقتضب سريع: "لا نريد أن نفوّت لهم فرصة للهروب من السلام، فالسلام هو خيارنا الوحيد" ، وقد سئل أحد الزعماء كيف سيكون موقفه لو تعرضت البلاد لهجوم إسرائيلي ، فأجاب - كمن يحفظ ولا يفهم - إن السلام هو الخيار الاستراتيجي،.
ما دام السلام خيارنا الوحيد لماذا أصلاً يفاوضنا اليهود ، ولماذا يعطوننا أرضاً ، ولماذا يوقفون الاستيطان أو حتى يجمدوه؟.
وبما أن السلام خيارنا الوحيد فلا نملك إلا أن نشاهد عن بعد مسرحية الضغط الأمريكي على إسرائيل ، ومن ثم ننتظر ما يمليه علينا الأمريكان ، وما تريده اللجنة الرباعية.
ولأن السلام خيارنا الوحيد قال الرئيس عباس أنه مستعد لتقديم أي ثمن مقابل إعلان الدولة الفلسطينية ، وأمر سفيره في وارسو أن يشارك في ذكرى المحرقة ، وادّعى أن حق اليهود في فلسطين مذكور في القرآن ، وسيكون راضيا تماما لو حصل على %22 من مساحة فلسطين.
عندما نعلن أن السلام خيارنا الوحيد نضمن الخسارة في المفاوضات قبل أن تبدأ ، بدليل أننا لم نحقق منذ إطلاق المفاوضات عام 1993 سوى التضحية بالثوابت ثابتا تلو الآخر.
لا أفهم كيف يجهل مفاوضونا أن الذاكرة والثقافة الغربية تقوم أساساً على مبدأ القوة واحترامها ، فدول بحالها كالولايات المتحدة واستراليا يحكمها أبناء مستوطنين طردوا وأبادوا واستعبدوا شعوباً بأكملها ، واسرائيل تتماشى مع ثقافتهم وتاريخهم ، والسلام بالنسبة إليهم ليس خياراً لأنه لا ضرورة له.
في ألف باء المفاوضات يحظر أن نعلن موقفاً واضحاً محدداً ، وإنما يجب أن نلعب بكافة الأوراق التي بأيدينا ، وأن نستغل كافة نقاط القوة لدينا ، وأن تكون هناك خيارات عديدة نخطط لها أو نلوح بها ، وأن نعطي الطرف الآخر أسبابا قوية تدفعه لإنجاح المفاوضات ، لأنها إن انهارت ستكون النتائج وخيمة.
ولكننا للأسف لم نتوقف عند إعلان خيارنا الوحيد بل باشرنا بخطوات عملية لتكريس ثقافة السلام وتربية النشء عليها ، فقد شاهدت تقريراً تلفزيونياً من مدينة رام الله وصفها بمدينة الديسكو ، وتفخر القيادات الفلسطينية لأن الاحتلال لم يتعرض لأي حادث منذ سنوات.
وفي الجانب الآخر ، فمن هرتزل إلى نتنياهو لم نر كتاباً واحداً يتحدث عن السلام ، وإنما تطورت الأطماع من القدس الغربية إلى القدس - بأكملها - عاصمة موحدة ومن ثم يهودية الدولة وتصفية قضية النازحين في الدول التي نزحوا اليها ، وطوال الوقت يلعبون أوراقهم ليبنوا ترسانتهم ويزيدوا من قوتهم.
أجزم بأن هذه الأمة لن تقوم لها قائمة إلا بتحرير فلسطين سواء بسلام حقيقي أو بغيره ، وسيكون ذلك بمثابة الشعلة التي تعيد لنا الحياة ، ولنتذكر التاريخ ، فاحتلال فلسطين كان نتيجة انحطاط الأمة ورجوعها كان مؤشر نهوض الأمة. فرجائي ان ننسى هذا المصطلح وان نتحدث عن خيارات اخرى تعبر عن الشعوب .
وأخشى أن يكون جيلنا مصداقاً لقول الشاعر:
خلق الله للحروب رجالاً.
ورجالاً لقصعة وثريد
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور