وقيمة المرء ما قد كان يحسنه

والجاهلون لأهل العلم أعداء

"علي بن أبي طالب"

شدهت فاغراً فمي وأنا استمع إلى خبر تظاهُر مئات العلماء في بريطانيا احتجاجاً على التخفيضات المتوقعة في ميزانيات البحث العلمي ، وقدّموا عريضة حملت توقيع أكثر من عشرين ألف عالم وباحث ، بالنسبة للعلماء هناك فإنه لأمر جلل أن يخفض الإنفاق الحكومي البريطاني على البحث العلمي من سبعة مليارات دولار إلى خمسة.

القارىء العزيز ، هل تعرف ما ينفقه العالم العربي من محيطه إلى خليجه على البحث العلمي ، خذ نفسا واستعد للصدمة ، أقل من ملياري دولار ، وإذا ما نظرنا إلى أرقام أخرى سيكون الأمر محبطاً للغاية: فمراكز البحث العلمي في العالم العربي أكثر قليلاً من مراكز البحث العلمي في دولة محاصرة مثل كوبا ، وعدد العلماء في العالم العربي لكل مليون نسمة يقل بمائة مرة عما يبلغه في الولايات المتحدة ، ونسبة الإنفاق بيننا وبين الولايات المتحدة 170:1 ، و 0,3% فقط من الناتج القومي يخصص للبحث العلمي ، وللأسف فلا تحتل أية دولة عربية أي موقع في تصنيفات أو مراكز البحث العلمي ، فيكفيهم فخرا احتلالهم المواقع المتقدمة في دراسات الفساد.

وحتى لا نظلم الحكومات العربية فالمأساة مشتركة بين القطاعين العام والخاص فلا دور للقطاع الخاص في البحث العلمي ، فهو يساهم بحوالي 3% من المبالغ التي تصرف على البحث العلمي مقارنة بـ80% التي تأتي من الحكومات.

وإنه لأمر محزن أن يعمل علماء الأمة خارج الوطن العربي ، ويبدعوا في تلك الدول ، فأكثر من ثلث العلماء خارج الوطن العربي هم من العرب ، في الولايات المتحدة وحدها يوجد أكثر من ثلاثمائة عالم ذرة عربي.

واسمحوا لي أن أزيد من قتامة الصورة ، فإذا نظرنا إلى ما كان يعرف بعدونا ، وخضنا معه عدة حروب وقلنا إننا سنرميهم في البحر ، ولكن في النهاية تقبلنا الهزيمة ، وبررناها بسلام الشجعان ، فطبقاً للمعايير الدولية تحتل إسرائيل المركز الأول عالمياً بنسبة الاختراعات إلى عدد السكان والمركز الخامس عشر عالمياً بين الدول المنتجة للاختراعات ، وتأتي في المركز الأول بعلوم الكمبيوتر ، والثالثة في علوم الكيمياء والتكنولوجيا المتقدمة.

وتخصص %30 من ميزانيات الجامعات للبحث العلمي ، وتنفق المؤسسات التجارية ضعفي ما تنفقه الحكومة ، وتنفق حوالي ملياري دولار سنوياً ولا يشمل ذلك الأبحاث العسكرية ، أي تنفق حوالي 7,5% من ناتجها القومي على البحث العلمي.

وأدى ذلك إلى إبداعاتهم في أبحاث الطب والتكنولوجيا والصناعة ، ولا مجال للخوض في التفاصيل ، وأقلها أننا نذهب للعلاج هناك في الحالات المرضية المستعصية.

وأما واقع بلدنا الحبيب فيما يخص البحث العلمي ، فيخصص أقل من نصف في المائة من الناتج القومي للبحث العلمي ، وصحيح ان لدينا مؤسسات بحث علمي إلا أن ميزانياتها بسيطة للغاية ، وأعرف أن دورها لا يزيد كثيرا على إجراء التحاليل المخبرية ، وصحيح لدينا صندوق بحث علمي إلا أن إيراداته متواضعة للغاية ، فواحد في المائة من أرباح الشركات المساهمة العامة لا تشكل أي مبلغ ، ويرأس الصندوق وزير الصناعة والتجارة،، فإذا ما قلنا إننا بلد فقير الموارد ولدينا أعلى نسب تعليم في العالم فالمفروض أن يكون ذلك حافزاً لدينا للإبداع في هذا المجال ، وأن نصبح مركزاً للتكنولوجيا في المنطقة ، لذلك لا بد من وضع استراتيجية ورؤية واضحة ، وأن نشجع مراكز البحث العلمي ، وأن نحافظ على علماءنا بدلاً من أن ندفعهم للهجرة.

هل عرفت سبباً من أسباب التخلف العربي واستحالة تحرير أوطاننا المغتصبة ، لأننا نستورد التكنولوجيا ولا نصنعها ، فندفع مليارات الدولارات ثمناً لها ثم نعتمد عليها ونطيع منتجيها ، الذين يستعبدوننا بينما نتخذهم أولياء.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   اسماعيل الشريف   جريدة الدستور