يا مطر ارحم غيرك من الأنين
كل شيء تسمع له صوت حزين
من يصدق أن شهر تشرين الثاني قد ودّع ولا أمطار ، لقد طال الخريف كل شيء،.
اتصلَ من لندن يسألني: كيف الأمطار عندكم؟ أجبته لا أمطار ، كلُّ شيء عابس. قال لي إن المطر عندهم لا يتوقف ، ومازحني: لماذا هذه الأمطار في بلاد تسمونها كافرة ، وهذا الجفاف في بلاد تسمونها مسلمة؟، أجبت صديقي: حسبُك ، كفى بالكفر عقاباً وإن كانت بلادكم جميلة وخضراء ومعظم شبابنا يتمنى الهجرة إليها. فرد عليَّ: كلام مشايخ. أجبته: نعم ، هل تريد أن تعرف رأيي أنا؟ أجاب: ليس بالضرورة.
أنا متأكد أن المؤسسات الحكومية المختصة تدرس هذه الظاهرة ، وستنتهي الدراسات والتوصيات في الأدراج على الأرجح ، ومن ضمن المؤسسات وزارة الاوقاف ، تخيلوا معي أنها أعدت تقريراً مفصلاً عن ظاهرة انحباس الأمطار تقول فيه: إن الأمطار حُبست بسبب التبرج والسفور وشرب الخمور والربا ومنع الزكاة وغيرها من المعاصي ، وإذا أردنا أن تهطل الأمطار فعلينا أن نبتهل ونكثر من الاستغفار إلى الله ، ففي محكم تنزيله: "وَيَا قَوْمً اسْتَغْفًرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إًلَيْهً يُرْسًلً السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مًدْرَارًا". (هود: 52).
أمّا تقرير وزارة البيئة الذي نسجته في خيالي أيضا ، فهو يعرض وجهة نظر مغايرة ، ولعله يبدأ أيضاً بآية كريمة: "ظَهَرَ الْفَسَادُ فًي الْبَرًّ والْبَحْرً بًمَا كَسَبَتْ أَيْدًي النَّاسً لًيُذًيقَهُمْ بَعْضَ الَّذًي عَمًلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجًعونَ". (الروم: )41 ، ويفسر الظاهرة بالانحباس الحراري الذي نجَم عن تلوّث المناخ ، وسيؤدي إلى غرق دول وتصحر دول أخرى ، ومن يتوفر لديه مطر أصلاً فسيزداد ، ومن يعاني من الشح فسيتفاقم وضعه تماماً كما أن الغني يزداد غنى والفقير يزداد فقراً.
كنت في ألمانيا مؤخراً ، وعدت بصدمة حضارية مما رأيته في المكاتب والشوارع. الجميع هناك يتقيّد تقيداً تاماً بقواعد المرور ، وأن تملك سيارة فاخرة ، فذلك لا يعني أن تزدري المشاة أو السائقين الآخرين ، السائقون يتمتعون بطول بال وصبر عجيب. وفي المكاتب رأيت مدراء يعملون في مكتب واحد ، وصاحب شركة محترمة يصنع القهوة ويحملها لضيوف مدير مبيعاته ، والمجتمع كله يعيش ضمن مبادىء "عًشْ ودع غيرك يَعًشْ" ، واحترام الآخر ، والمصلحة الخاصة لا تكون إلا بالمصلحة العامة لا على حسابها. هناك لمست الكثير مما تعلمناه في كتب الدين وسمعناه عن أخلاق الصحابة.
أنهيت المكالمة مع صديقي المقيم في لندن وأنا أهرش ساقي ، ولا زلت أبحث عن الرابط العجيب بين وباء الحكّة المنتشر كالنار في الهشيم ، وبين شح المياه من جهة ، واتفاقية وادي عربة من جهة أخرى. كان عليَّ أن أقول له: "في بلادكم الأمور واضحة والظاهر يوافق الباطن ، أما في بلادنا فندّعي التديّن ، ولكننا منافقون ، نقول شيئاً ونفعل أشياء".
نقول أننا نحب إخواننا ومجتمعنا وبلدنا ، ولكننا في الحقيقة أنانيون نعشق التملك والسيطرة ، فهل رأيت ربّ العمل يعدّ قهوة لموظفيه؟ أو سائقا يقف طائعاً عند إشارة عبور المشاة؟ النجاح لدينا هو أن تدور الأشياء في فلكنا ، وأن تُسخّر الشركة أو المؤسسة لمديرها ، ويرتبط المنصب "بالبريستيج" والمزايا المشروعة وغير المشروعة ، ومن بعد المنصب الطوفان.
لقد وضع الدكتور محمد راتب النابلسي يده على الجرح ، حين ذكر قول بعض العلماء ، إن الله ينصر الأمة الكافرة العادلة على الأمة المسلمة الظالمة ، وقول بعضهم أيضاً: الدنيا تصلح بالكفر والعدل ، ولا تصلح بالإيمان والظلم.
فكيف بربكم نطلب أن يعم الخير أناساً لا يحبون الخير لإخوانهم ، وليس لديهم استعداد للمشاركة لا في أعمال التطوع ولا التظاهرات ولا الانتخابات ولا حملات المقاطعة ، حتى وهم يرون أعداءهم ينزلون إلى الشوارع معترضين على الهدايا التي تقدم إليهم على حسابنا بلا مقابل ، ليطالبوا بالمزيد ، كما يحدث اليوم في كارثة تجميد الاستيطان.
تقول الأسطورة اليونانية أن نارسيس كان جميلاً ، وقد عشق نفسه عندما رأى انعكاس وجهه على صفحة الماء.
قريبا لن تكون هنالك مياه نرى وجوهنا النرجسية فيها.
وأنت عزيزي القارىء ، ما رأيك؟،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور