"عندما تعلن الحرب تكون الحقيقة هي الضحية الأولى"

هيرمان جونسون

قبل أن أدخل في صلب المقال ، إن كان له صلب ، سأكتب في مسائل قد تبدو غير مترابطة ، أو أنها هلوسات انسان يحاول أن يفهم ما يجري ولماذا يتم استهدافه بهذا الشكل ، ولكني أعرف بأن القارئ بذكائه مع نهاية المقال سيربط كافة فقراته لتعطيه الصورة التي أحاول إيصالها.

كان ذلك في العام 1999 ، خلال مؤتمر الأديان الذي نظمته الأمم المتحدة في نيويورك ، حين شهد العالم نشاطاً غير عادي للمنظمات الإسلامية ، فقد كان المسلمون نجوم المؤتمر ، ونشاطاتهم محور الاهتمام ، وسادت آنذاك حالة من التفاؤل الشديد لأن الإسلام بدأ يتغلغل في المجتمعات الغربية وأصبح من الأديان المحببة هناك ، ثم حدث ما حدث،،.

في أعقاب قصف بيرل هاربر عام 1941 ، قامت الولايات المتحدة بإنشاء مكتب سمي "مكتب الخدمات الاستراتيجية" مهمته اكتشاف أي خطر محتمل على الولايات المتحدة قبل وقوعه والتخلص منه بأية وسيلة ، وجنّد له خيرة الخيرة ، واقتصر على طبقة البيض والأوروبيين الذين يملكون زمام الأمور هناك.

والآن سأدخل في صلب المقال،،.

في التصريح الأخير لقائد القوات البريطانية في أفغانستان السيد "ديفيد ريتشاردز" يقول: "إن إلحاق الهزيمة بالقاعدة أمر غير ضروري ، وربما لا يمكن تحقيقه". برأيك ، ما هي العبارة الأهم في هذا التصريح ، غير ممكن أم غير ضروري؟،.

مخطىء من يعتقد أن الولايات المتحدة خسرت أو لم تحقق أهداف حروبها في أفغانستان والعراق أو ما يسمى حربها على الأرهاب ، وإن أصبح معظم أفغانستان بيد طالبان وأقر حلف شمال الاطلسي خطة انسحابه من هناك ، وإن كان قال بعضهم أن أمريكا سقطت ثانية في ما يشبه مستنقع فيتنام ، وإن أدت حرب أمريكا غير المنتهية على القاعدة إلى اتساع القاعدة بحيث ظهر نفوذها في دول عديدة كاليمن والصومال وشمال أفريقيا ، وما ينفك قائد القاعدة يتحفنا بأشرطته حتى أصبح يتحدث عن البيئة ويعطي توجيهاته للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري.

كل ما سبق لا يعني شيئاً ، فالصحيح أن الولايات المتحدة عندما غزت العالم الإسلامي ، لم يكن هدفها النصر ، وهذا ما عبّر عنه قائد القوات البريطانية عندما قال: "إلحاق الهزيمة بالقاعدة أمر غير ضروري" ، إذن الولايات المتحدة لا تهدف إلى كسب حروب وإنما منع قيام أي قوة تنافسها. وكان التهديد واضحاً هذه المرة ، ففي نهاية القرن الماضي بدأت بوادر صحوة ونهضة إسلامية تتغلغل العالم ، فقامت أمريكا بضرب واحتلال دول وخلق قلاقل وفتن في دول أخرى ، وابتلت الدول الإسلامية بالفوضى الخلاقة لجعلها تتفرغ لحل مشاكلها حتى لا تقوم قائمة لأي تنسيق إسلامي محتمل ينتج عنه قوة منافسة.

ووضعت دولاً إسلامية على جهات متقابلة في حروب لا معنى ولا لزوم لها ، وجعلت جيوشا توجه أسلحتها ضد مواطنيها ، وأصبحت دول إسلامية نفسها رأس حربة ووقوداً لحروب أمريكا مع العالم الإسلامي.

ولم يقتصر الأمر على المواجهات العسكرية ، وإنما امتدت أرض المعركة لتشمل شتى المجالات الثقافية والإعلامية والاقتصادية ، من خلال تغيير المناهج ، وتكريم ودعم الأدباء المناهضين للإسلام ، ومن خلال البنك الدولي ، وصندوق النقد الدولي ، والعمل على تمييع الشباب ، وزيادة الفرقة والتوتر في الأمة من خلال وسائل الإعلام ، والحديث يطول.

في القول المنسوب لنهرو: "إننا أمام قوتين أمريكيّتين: واحدة شريرة وغامضة تستعمل للتطويع والإخضاع ، وهي وكالة المخابرات الأمريكية ، والثانية براقة مخادعة تستعمل للغواية والإغراء وهي "هوليوود" ، ومشكلتنا إذا فازت وكالة المخابرات أصبحت حريتنا مهددة ، وإذا ما فازت "هوليوود" تصبح ثقافتنا مهددة".

لقد انتصرت علينا الولايات المتحدة بإمكاناتنا وحققت أهدافها فينا بأيدينا وواقعنا خير برهان.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   اسماعيل الشريف   جريدة الدستور