يا ظالماً فرحاً بالعز ساعده
إن كنت في سنة فالدهر يقظان
تخيل أنك في العام 1900 ، في عصر بريطانيا العظمى التي لا تغيب عنها الشمس ، كان العالم هادئاً ، والأوضاع الاقتصادية مزدهرة ، فهل كان سيخطر ببالك أنه في أقل من عشرين عاماً ستندلع حروب عالمية يذهب ضحيتها الملايين ، وستختفي إمبراطوريات وتظهر أخرى ، وستضيع فلسطين ، وسيقاتل العالم العربي من أجل حرية زائفة وراء حدود مصطنعة؟.
وبعد مائة سنة وفي عام 2000 ، حيث عاد الهدوء للعالم ، والاتحاد السوفييتي انهار ، وتصالحت أوروبا ومن ثم توحدت ، ولكن بقينا نحن ضعفاء وزاد تشرذمنا ، فهل كان من الممكن في تلك الأيام أن يخطر ببالك ما سيحدث في السنوات العشر التالية من زلزال عام 2001 ، واحتلال العراق ، وحرب لبنان وغزة ، وتكالب الأمم علينا ، ووصم المسلم بالإرهاب ، وازدياد قوة وغطرسة إسرائيل فوق ما كانت عليه ، وسقوط الوحدة العربية ، وسلام غير متبادل مع العدو المحتل.
لقد انفردت الولايات المتحدة كأكبر قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية في العالم دون أي منافس.
وإزاء هذا كله ، ألح علي سؤال: إلى متى ستبقى هذه القوة منفردة ، وبالتالي ستبقى جاثمة فوق أرواحنا وأراضينا ربيبتُها إسرائيل ، لأنهما وجهان لعملة واحدة ، فكم من قرار دولي يدين إسرائيل لم يرَ النور بسبب الفيتو الأمريكي ، ومن منا لم يُعانً من الدعم المطلق الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل حتى عندما كانت إسرائيل تمارس أعمالاً تتعارض مع المصالح الأمريكية ، وقد وصل الأمر ببعض الساسة الأمريكان إلى القول إن الولايات المتحدة تحتاج إلى إسرائيل أكثر من احتياج إسرائيل للولايات المتحدة.
بحثاً عن الإجابة اطّلعت على أكثر من كتاب كتبه مفكرون يبحثون عن دول مرشحة للبروز كقوى عظمى في هذا القرن ، وللأسف فقد أجمع المحللون على أن الولايات المتحدة قد بدأت تضعف ولكنها ستبقى القوة الأقوى في العالم خلال هذا القرن ، ولن تقوم قوة أخرى منفردة لتقف أمامها.
أعرف عزيزي القارئ أنك أصبت بخيبة أمل كبيرة ، ولكن ، ابق معي للآخر،،.
يتوقع المحللون أن روسيا ستحاول النهوض مرة أخرى من خلال تحالفات مع استونيا ولاتفيا وليتوانيا ، وستظهر كقوة جديدة ما تلبث أن تنهار ، فالبنية التحتية الروسية ضعيفة ، والفساد متغلغل فيها ، ومشاكلها الداخلية كبيرة ، وللوقوف أمام روسيا ستدعم الولايات المتحدة بولندا التي يعتبر اقتصادها واحداً من أكثر الاقتصاديات نمواً في العالم.
وأما من يعتقد أن الصين ستكون إحدى القوى الكبرى في العالم فهو مخطئ ، فالصين ليس لديها أسطول بحري قوي ، وفيها العديد من الأعراق المتصارعة ، وهي دولة معزولة ، فسيبيريا تقع في شمالها ، والهمالايا في جنوبها ، وسكانها متمركزون في الشرق ، وزيادة الرفاه لدى نخبة قليلة يزيد من سخط الناس على النظام ، والأولوية في الصين دائماً للاقتصاد لا للسياسة ولا للقوة العسكرية. وكذلك اليابان لا تشكل أي تهديد ، لأنها لا تملك موارد طبيعية وسكانها في تناقص.
ولكن ، من الدول المرشحة للتقدم "تركيا" ، فهي تحتل الآن الاقتصاد السادس عشر على مستوى العالم.
عزيزي القارئ ، هل بدأت تتفاءل؟،.
يحق لك أن تبدأ بالتفاؤل ، ولكن تذكر أيضاً ما قاله المؤرخ البريطاني هوبسبادم: "مخطىء من يعتقد أن التاريخ يعيد نفسه".
ومعنى ذلك أن تركيا لا تستطيع وحدها تشكيل قوة عالمية إلا في وجود حلفاء ، وفقاً للمحللين المتفقين أن لا قوة منفردة ستقف في وجه أمريكا ، وإنما مجموعة من الدول.
إن شعبية حزب العدالة وزعمائه تتزايد في العالم العربي ، وما كان يمنع التقارب العربي التركي قد زال من تحكم الجيش بعد أن تجاوزت تركيا حقبة أتاتورك ، والأجواء مهيأة لقيام تحالف عربي تركي يشكل قوة في المنطقة خاصة في غياب قيادة عربية موحدة.
وللأسف فقد انتبه الصهاينة لذلك ، فكثفوا الحركة على جسور التعاون ، أما نحن "فغًرنا" من الساسة الأتراك ، أو قد نكون "مُنعنا" من مد أيدينا إليهم.
وفي رأيي فقد بات لزاماً علينا الأخذ بزمام المبادرة ، واستغلال الموقف الشعبي التركي المؤيد لقضايانا ، وجعله وسيلة لترغيب الحكومة التركية في التقارب مع العرب ، واستغلال الموقف الأوروبي العنصري من تركيا لبيان أن مصالحها مع العالم العربي ستحقق لها أكثر مما ستحقق لها اسرائيل أو الغرب.
وإن كان صحيحا أن التاريخ لا يعيد نفسه فلن تقوم لنا قوة ، ولن تقوم لتركيا قوة ، ولكن لتقم القوة لنا ولتركيا معا.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور